بعد انقلاب 3 يوليو 2013م وحتى 2020 كان هاجس السفاح عبد الفتاح السيسي الأكبر هو تأمين شرعية الانقلاب على المستوى الدولي؛ وجاءت صفقات السلاح كوسيلة لتحقيق هذا الهدف؛ ولذلك أبرم السفيه السيسي عدة صفقات خلال وقت وجيز لإثبات حضوره الدولي.
وبات معلوماً أن إغراق مصر شعباً وجيشاً بالديون إحدى مهام العميل السفاح عبد الفتاح السيسي، وبما أن برلمان الدم والذي يرأسه علي عبد العال، وظيفته الأساسية أن يعمل "ختامة" عند العسكر، فقد وافق في جلسته العامة يوم الاثنين على قرار رقم 374 لسنة 2020 على صفقة قرض شراء أسلحة بين وزارة الدفاع المصرية، وهيئة تنمية الصادرات الإيطالية SACE ومجموعة البنوك ومؤسسات التمويل الإيطالية.

فتش عن تركيا!
الصفقة وإن كانت تبدو عسكرية في المقام الأول إلا أن الأبعاد السياسية حاضرة بقوة، وترتبط ارتباطا وثيقا بالمواقف الإيطالية بشأن الملف الليبي واقترابها من المواقف التركية في دعم حكومة الوفاق المعترف بها دوليا.
والهدف من الصفقة في أبعادها السياسية هو محاولة من جانب تحالف الثورات المضادة الذي تقوده السعودية والإمارات والعسكر في مصر من أجل استقطاب إيطاليا لمواقف التحالف كما فعلوا من قبل عبر صفقة طائرات الرافال المليارية مع فرنسا والتي كان الهدف منها منح السفيه السيسي شرعية دولية وقيام باريس بدور مؤثر في تطبيع العلاقات الأوروبية مع نظام الانقلاب في مصر.

إبعاد روما عن أنقرة في ظل دعم أبو ظبي والرياض لمخطط السفيه السيسي نحو لتشكيل تحالف في شرق المتوسط معاد لتركيا، يضم فرنسا واليونان وقبرص الرومية وإسرائيل؛ هو هدف صفقة السلاح المليارية من إيطاليا، وسبق أن رفض وزير الخارجية الإيطالي، لويجي دي مايو، التوقيع على بيان صدر عن اجتماع عُقد بالقاهرة في مطلع العام الجاري، ضم وزراء خارجية مصر وفرنسا وإيطاليا واليونان والإدارة الرومية لجنوب قبرص، في القاهرة، ووصفه بـ”غير المتوازن للغاية”.
وآنذاك طالب الوزير الإيطالي نظراءه من الدول المجتمعة، بتخفيف موقفهم المتشدد حيال تركيا، ورئيس حكومة الوفاق الوطني الليبي، المعترف بها دوليا، فايز السراج.
وتتقارب مواقف إيطاليا وتركيا في ليبيا، حيث يدعم كلاهما حكومة الوفاق المعترف بها دولياً، كما تتناقض المصالح الإيطالية النفطية بليبيا مع فرنسا شريكة مصر والإمارات في دعم حفتر.

وحذر اقتصاديون ومختصون بالأمن القومي المصري من عدم قدرة الاقتصاد المصري على تحمل تكلفة صفقة التسليح البحري والجوي، التي يعتزم جنرال الخراب السفيه السيسي إبرامها مع الحكومة الإيطالية بقيمة تتجاوز 9 مليارات يورو، وفقا لما كشفته صحيفتا "Il Sole 24 Ore" الإيطالية و"La Tribune" الفرنسية.

وتشمل الصفقة، التي كشفت الصحيفة الإيطالية عن كل تفاصيلها، شراء فرقاطتين حربيتين من نوع "FREMM Bergamini"  متعددة الأغراض بتكلفة تقدر بنحو 1.2 مليار يورو، بالإضافة للاتفاق على شراء 4 فرقاطات أخريات، و20 لنشا مسلحا من فئة "Falaj II".
ووفقا لما كشفته الصحيفة ذاتها، فإن سلطات الانقلاب تجري مفاوضات مع إيطاليا لشراء 24 مقاتلة من طراز "يوروفايتر تايفون"، بالإضافة إلى قمر صناعي للاستطلاع والتصوير الراداري، وطائرات تدريب متقدمة، بالإضافة إلى مروحيات من طراز "AW149"، بقيمة إجمالية لكل الصفقات تصل إلى 9 مليارات يورو.

ارحل يا فاشل
من جانب يقول الحقوقي والمحلل السياسي أسامة رشدي: "الجيش يواصل الاقتراض بشكل مباشر ومواز للدولة من دول وبنوك دولية أجنبية لتمويل مشتريات سلاح من إيطاليا وقبلها فرنسا وهو تطور خطير وتكريس لسياسات جديدة في الاقتراض المباشر وتجارة السلاح الدولية والعمولات.. وما يسمى بالبرلمان هم مجموعة خونة وبصمجية وماكينة تمرير موافقات".

يقول الإعلامي والأكاديمي نصير العمري: "فضح علاقة الجيش والسيسي شخصيا في تجارة السلاح مع كوريا الشمالية يكشف شبكة للاتجار بالسلاح لحسابات شخصية في القيادة المصرية". مضيفاً: "النيويورك تايمز تعيد فتح ملف تجارة السلاح مع كوريا الشمالية من عدة أنظمة عربية ومنها السودان. تجارة سلاح مربحة باسم الدولة تذهب لجيوب القيادة".

ويعود الحديث عن الصفقة الأضخم في تاريخ البلدين إلى مطلع فبراير الماضي، وسط تكهنات عن تجاوز قيمة الصفقة 9 مليارات دولارات، ولم يصدر أي حديث رسمي عن الصفقة من جانب سلطات الانقلاب.
ونقلت صحيفة "لا ريبوبليكا" الإيطالية، عن مصدر برئاسة الوزراء الإيطالية، قوله إن تلك الصفقة تعد بمثابة "مهمة القرن" لما تمثله من قيم سياسية وتجارية وصناعية، رغم وجود الكثير من الصعوبات والمعوقات، على رأسها قضية مقتل الطالب الإيطالي ريجيني في مصر قبل عدة سنوات.

ولكن بعيدا عن تسوية قضية "ريجيني" التي يرى كثيرون أنها من أهم دوافع سلطات الانقلاب، فإن الصفقة طرحت العديد من التساؤلات بشأن الإنفاق العسكري على شراء السلاح بدلا من توجيه هذا الإنفاق على الصحة والتعليم، فضلا عن الهدف من تكديس السلاح في ظل العلاقات الممتازة التي تجمع عسكر مصر بإسرائيل في الوقت الحالي، وتساءل آخرون عما قد يكون من أسباب غير معلنة وراء الصفقة.

من بين تلك الأسباب، يتحدث البعض عن العمولات الضخمة التي يحصل عليها السفاح عبد الفتاح السيسي، وكبار عصابة قيادة الجيش، فضلا عن محاولة استقطاب الحكومة الإيطالية الحالية، المعارضة لتحركات معسكر مصر والإمارات وفرنسا وروسيا في ليبيا.

يرى أسامة سليمان عضو لجنة الدفاع والأمن القومي بمجلس الشعب السابق أن "السيسي لا يكدس سلاحا بقدر ما يتاجر بالسلاح، بل يقوم بتهريبه"، مضيفا "من المعروف تماما في القوات المسلحة المصرية أن هناك نسبة مقننة من هذه الصفقات لقادة الجيش، ورئيس الجمهورية بصفته القائد العام للقوات المسلحة".
وتابع سليمان "في حال موافقة إيطاليا على صفقة السلاح لمصر، فهو يؤكد أن السيسي تحول إلى تاجر سلاح ووسيط بمحيطه الإقليمي، وتتماشى الصفقة مع الوضع في ليبيا لسهولة تهريبها برا بعيدا عن المراقبة الدولية"، مشيرا إلى أنها "صفقات سلاح مدفوعة إماراتيا بموافقة فرنسا وروسيا".

وأوضح أن النقطة الأخرى في هذه الصفقة إعادة إحياء مسار العلاقات المصرية الإيطالية بعد تدهورها نتيجة مقتل "ريجيني" واستقطاب ليبيا للمحور المصري الإماراتي.
واختتم بالقول "يجب الإشارة إلى أنه طالما السيسي على رأس الحكم، فسيظل يبحث عن شرعية دولية حتى آخر لحظة خاصة أن ملف حقوق الإنسان هو الصندوق الأسود لانتهاكات نظام السيسي، وهو نقطة ضعفه خارجيا، لكنه سيظل منفذا قويا للأجندة الإسرائيلية الأمريكية".

وشهدت الأعوام التي تلت انقلاب 30 يونيو 2013 تحولا لافتا، في دوافع صفقات السلاح، من تأمين الشرعية ومكافحة ما يسمى بالإرهاب، إلى الرغبة الخالصة في استرضاء حلفاء دوليين، لأسباب تعود إلى عدة أزمات ضربت الانقلاب في عمقه.
كانت بدايتها إسقاط طائرة الركاب الروسية فوق سيناء في أكتوبر 2015 ما دفع السفيه السيسي نحو استرضاء موسكو بصفقات سلاح مليارية شملت مقاتلات ميج 29ودبابات تي 90 ومروحيات وصواريخ كورنيت المضادة للدبابات وأخيرا صفقة سو 35 التي تتحفظ عليها واشنطن.
وفي العام 2016، سقطت الطائرة المصرية القادمة من باريس إلى القاهرة ما تسبب في مقتل 65 راكبا، وهو ما دفع السفيه السيسي إلى محاولة استرضاء باريس من خلال عدة صفقات أسلحة ضخمة، أبرزها طائرات “رافال” المقاتلة وحاملتي الطائرات من طراز “ميسترال”، إضافة إلى مجموعة فرقاطات وقطع بحرية متطورة، حتى باتت مصر أكبر مستورد للسلاح الفرنسي في المنطقة بنسبة بلغت 28% خلال السنوات الأربع الماضية.

ودفع مقتل الباحث الإيطالي “جوليو ريجيني” في العام ذاته، وسط اتهامات بتورط أجهزة السفيه السيسي الأمنية في تعذيبه حتى الموت، دفع الانقلاب في مصر نحو شراء الصمت الإيطالي بأكبر صفقة سلاح مصرية خلال السنوات الماضية.

Facebook Comments