عادت السلطة الفلسطينية لمسار الخيانة والتواطؤ مع الاحتلال الصهيوني؛ حيث أعلن رئيس الهيئة العامة للشئون المدنية في السلطة الفلسطينية، حسين الشيخ، أن السلطة قررت إعادة العلاقات مع الاحتلال الصهيوني، إلى ما قبل 19 مايو الماضي، وذلك بعد تأكيدات بالتزام (الكيان الصهيوني) بالاتفاقيات الموقعة. وكانت السلطة قد أعلنت أن منظمة التحرير في حل من جميع الاتفاقات مع الاحتلال احتجاجا على إصرار حكومة بنيامين نتنياهو على ضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية المحتلة في بداية يوليو 2020م وهو ما جرى تأجيله مؤقتا لأسباب تتعلق بموجة التطبيع العربي التي جرت مؤخرا.

وبحسب وكالة الأنباء الفلسطينية "وفا" فقد أكد الشيخ أن رئيس السلطة محمود عباس، أجرى اتصالات دولية، وورده رسائل رسمية مكتوبة وشفوية تؤكد التزام الكيان الصهيوني بالاتفاقيات، وعليه قرر إعادة مسار العلاقة معها كالسابق.

وكان إعلان رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس أبو مازن في 19 مايو 2020م أن منظمة التحرير الفلسطينية باتت في في حِل من جميع الاتفاقيات والتفاهمات مع "صهيون" والولايات المتحدة الأمريكية، قد أثار كثيرا من الجدل بين مثمن للقرار باعتباره ردا مؤلما للاحتلال يتضمن وقف التنسيق الأمني وبين مشكك في الإعلان؛ لأن هذه اليست المرة الأولى التي يعلن فيها أبو مازن مثل هذا القرار ويتضح فيما بعد أنه كان مجرد مناورة انتهت إلى لا شيء وبقي التنسيق الأمني مع الاحتلال قائما رغم الانتهاكات المروعة والمستمرة. وشملت أبرز قرارات عباس، إنهاء العمل بالاتفاقيات والتفاهمات التي تمت مع الكيان الصهيوني، وتأكيد حق الشعب الفلسطيني في مواصلة كفاحه، وتحقيق الاستقلال لدولة فلسطين وعاصمتها القدس الشرقية في حدود 4 يونيو1967.

وفي دراسة نشرها موقع "الشارع السياسي" في مايو 2020م، تحت عنوان "خطاب عباس حول وقف التنسيق الأمني مع الاحتلال .. قراءة في المضامين والتوجهات"، بدأ التنسيق الأمني بين السلطة الفلسطينية والاحتلال الصهيوني كأحد مخرجات اتفاق أوسلو الذي جرى توقيعه بين الطرفين في 13 من سبتمبر1993، والذي نص على اعتراف منظمة التحرير الفلسطينية بصهيون (على 78% من أراضي فلسطين، أي كل فلسطين ما عدا الضفة الغربية وغزة).
ومع مرور السنوات تآكلت بنود اتفاق أوسلو وفرغته حكومات الاحتلال المتعاقبة بانتهاكاتها المتواصلة من أي مضمون؛ ولم يتبق منه شيء سوى ملف التنسيق الأمني، وهو الملف الذي يمثل ورقة الضغط الوحيدة التي تملكها السلطة ويمكن بها إيذاء الاحتلال والإضرار به بشكل كبير، إلا أنها ما زالت تخشى استخدامها بزعم أنها "مصلحة وطنية فلسطينية"، برغم جميع الانتهاكات الصهيونية المتواصلة، وتقويض تل أبيب لأي شكل للدولة الفلسطينية التي تحلم السلطة ببنائها على الأراضي التي تم الاتفاق عليها خلال أوسلو.

وبحسب الدراسة، فإن "الأكثرة خطورة أن مسار أوسلو صمم المنظومة الأمنية والسياسية والاقتصادية للسلطة بحيث تبقى دائما تحت رحمة الاحتلال والإدارة الأمريكية وما يسمى بالمجتمع الدولي؛ فالسلطة فعليا غير قادر على البقاء والاستمرار دون رعاية وكفالة من الاحتلال والإدارة الأمريكية؛ فهي لا تستطيع تحقيق أي اكتفاء ذاتي من جهة التمويل والغذاء والماء والكهرباء ولا حتى الحصول على المساعدات الدولية دون موافقة من حكومة الاحتلال، بل إن قيادت السلطة أنفسهم لا يملكون حرية الحركة داخل مناطق الضفة الغربية دون موافقة من أجهزة الاحتلال الأمنية.
وعبر سنوات طويلة مضت تمكن الاحتلال من تكوين شبكة أو مافيا حاكمة ترتبط وجودا وعدما بالاحتلال تستمد منه القوة والنفوذ والسيطرة. وحتى لو أراد أبو مازن الخروج على هذه القواعد التي شارك في تكريسها فسوف يجد من داخل السلطة وأجهزتها الأمنية من يتمردون عليه إمعانا في خدمة أجندة الاحتلال، كما فعل هو من قبل مع ياسر عرفات؛ حيث بات ولاء كثير من هذه الطبقة الحاكمة أولا وأخيرا للاحتلال وليس للسلطة ولا حركة فتح فضلا عن قضية فلسطين التي تعد بالنسبة لهؤلاء مجرد بيزنس يحققون من ورائه ثروات طائلة".

وكان الدور الأخطر في ملف التنسيق الأمني ــ بحسب الدراسة هو ما قامت به الولايات المتحدة الأمريكية في أعقاب انتفاضة الأقصى(2000 2005)، حيث اتجهت إلى التلاعب بالعقيدة الأمنية لقيادات وعناصر الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية من خلال مأسسة هذه الأجهزة وتغيير عقيدتها و شكَّلت واشنطن مجلسًا لتنسيق التعاون الأمني بين السلطة وصهيون، بقيادة الجنرال الأمريكي، كيث دايتون، الذي تولى شخصيًا مهمة الإشراف على إعداد وتدريب أجهزة السلطة الأمنية لتحسين قدرتها على إحباط العمليات المسلحة للمقاومة.

وإلى جانب مأسسة أجهزة السلطة الأمنية لتكون أكثر ولاء لأفكار وتصورات أبو مازن المتطابقة مع أفكار الاحتلال والأمريكان؛ حرص دايتون على أن تسهم دورات التدريب التي أشرف عليها في فرض عقيدة أمنية جديدة على المؤسسة الأمنية في السلطة، بحيث يفضي تشرب منتسبي الأجهزة الأمنية الفلسطينية تلك العقيدة إلى "صناعة الفلسطيني الجديد"، الذي يرى في إحباط العمل المقاوم ضد الاحتلال مصلحة وطنية له. وقد أثنى جيش الاحتلال على دور هذا التحولات على النظام السياسي الفلسطيني وزيادة فعالية التعاون الأمني وإسهامها في تحسين ظروف المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية وإجهاض مشروع المقاومة بها بعكس تعاظم دور المقاومة في قطاع غزة والتي تمكنت من تحرير القطاع سنة 2005م.

Facebook Comments