كان موقف السلطات السعودية من مقتل الرئيس المصري د. محمد مرسي بعيدًا عن المشاعر الإنسانية، ومتنافيًا مع الأعراف والقواعد الدبلوماسية.

وفي الوقت الذي تعاطفت فيه شعوب العالم، هاجمت وزارة الخارجية السعودية جماعة الإخوان بعد ساعات قليلة من إعلان خبر وفاته، واتهمتها بالإرهاب وتقويض الاستقرار في المنطقة دون مناسبة تستدعي الهجوم، ما يعد تأكيدا غير مباشر على موقفها من الرئيس مرسي الذي ينتمي تنظيميًا إلى جماعة الإخوان.

وبالرغم من إنكار تنظيم داعش والموالين لتنظيم القاعدة على الدكتور مرسي مشاركته في الانتخابات البرلمانية قبل ثورة يناير/ كانون الثاني وانتخابات الرئاسة بعدها، ادعت الخارجية السعودية أن التنظيمين، بالإضافة إلى تنظيم النصرة، تكونت جميعًا داخل جماعة الإخوان.

ولم يفوت أبواق النظام السعودي الحدث الخطير للشماتة في وفاة الرئيس الراحل، وانتقد كتاب مقربون من الديوان الملكي السعودي دولة قطر باعتبارها الدولة العربية الوحيدة التي قامت بالتعزية في وفاة الرئيس الذي لقي ربه يوم 17 يونيو/ حزيران أثناء محاكمته.

وقريب من موقف السعودية كان موقف الإمارات، وبدلًا من مراعاة قواعد البروتوكول في مثل هذه المناسبات، أو التحلي بالصمت على أقل تقدير، كتب مغرد إماراتي معروف بأنه لسان ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد على تويتر في تغريدة يقول فيها: “العزاء في قطر ولا في تركيا؟!”، وكتب أيضًا: “أتمنى أن لا يتم دفن مرسي في مصر العروبة!”.

تمويل الانقلاب

موقف الدولتين من وفاة الدكتور مرسي يذكر بدورهما الخطير في التجهيز والإعداد والتمويل للانقلاب عليه. وبعد إذاعة الجنرال عبد الفتاح السيسي بيان انقلاب الثالث من يوليو/ تموز مباشرة، كشفت السعودية والإمارات عن دعمهما لإنجاح مشروع الانقلاب بكل قوة من خلال حل أزمات المواطن الحادة وتلبية حاجاته الآنية الملحة خاصة عجز السولار والبنزين وانقطاع الكهرباء كرشوة سياسية لضمان تقبل الانقلاب وعدم مقاومته وتثبيت أركانه.

فتبرع العاهل السعودي في حينه، عبد الله بن عبد العزيز، فورًا بالسولار والبنزين والغاز بكميات ضخمة تجاوزت قيمتها في الأيام الأولى للانقلاب 2 مليار دولار، ضمن حزمة مساعدات فورية نقدية وعينية بقيمة 5 مليارات دولار، وما زال البترول السعودي يتدفق في شرايين الاقتصاد المصري بدون سداد قيمته أو بالمجان تقريبًا.

ولتحقيق الهدف ذاته، أعلن وزير الخارجية الإماراتي، عبد الله بن زايد، عن توجيه الإمارات أسطولا من السولار والبنزين إلى مصر وصف حجمه بأن “أوله في دبي وآخره في قناة السويس”، وكذلك منح مالية ومساعدات عينية بقيمة 18 مليار دولار، في التوقيت ذاته وبسرعة المساعدات السعودية.

وإذا كان سعي الدكتور مرسي لاستقلال القرار السياسي المصري والتوقف عن التبعية، من خلال إنتاج الغذاء وتصنيع الدواء والسلاح، وكذا قراره بتنمية سيناء وتعميرها وتغيير خريطتها الديموغرافية، على نحو تزعم إسرائيل أنه يهدد أمنها، كل ذلك كان سببًا لاستنفار الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والانقلاب على حكمه، فإن أسبابا أخرى يمكن أن تفسر الحقد السياسي والتدخل السعودي والإماراتي في الشأن الداخلي المصري والكيد لحكم مرسي وتمويل الانقلاب عليه.

تنمية محور قناة السويس

أعلن مرسي عن مشروع نهضة مصر، وكان مشروع تنمية محور قناة السويس أهم ركائز هذا المشروع. وهو مشروع طموح يستهدف محورا تمر فيه 11% من تجارة العالم، ويضاعف دخل قناة السويس إلى 100 مليار دولار بدلًا من 5 مليارات دولار هي كل ما تدره القناة مقابل كلفة مرور السفن في السنة.

ويستهدف المشروع إقامة مركز لوجستي عالمي في موانئ سفاجا والعين السخنة والسويس وبورسعيد يضم محطات تموين وخدمات تموين السفن والحاويات، ومراكز لوجستية لخدمة التجارة الدولية العابرة لقناة السويس، ومحطات تخزين وتداول الحبوب والوقود والمواد البترولية. ويشمل أيضًا مشروعات تصنيع المعدات البحرية، وتعبئة الأسمدة الكيماوية والإسمنت وتصديره، وتصنيع القوارب واليخوت، و”تخريد” وتقطيع السفن، ومجمعا للألمنيوم.

واتخذ مرسي خطوات جادة، واعتمدت الحكومة مخططا للتنمية السياحية في منطقة الطور ورأس محمد على مساحة قدرها 150 مليون متر مربع، وبدأت في إحياء دراسة قديمة لإنشاء الجسر الرابط بين مصر والسعودية، وإنشاء مطار مدينة رأس سدر، وإنشاء ثلاث مناطق حرة في سيناء، ومنطقة صناعية تضم مصانع للجبس والرمل الزجاجي والتعدين لتعظيم القيمة المضافة عوضًا عن تصدير الرمال الخام.

عارضت الإمارات مشروع تنمية محور قناة السويس الذي أعلن عنه الدكتور مرسي بكل قوة، لأنه ببساطة يفلس ميناء جبل علي، أهم روافد اقتصاد دبي، وأكبر موانئ الشرق الأوسط، وتاسع أكبر ميناء في العالم، ويضم خمسة آلاف شركة عالمية. وقد استولت دبي على ميناء سفاجا وجمدت تطويره، وأثنت مبارك عن تطوير محور قناة السويس في مقابل منافع شخصية لعائلته، وتبرعات خيرية من الشيخ زايد، ومساعدات بترولية تصل إلى 12 مليار دولار في السنة.

زاد الطين بلة قرار مرسي بتشكيل هيئة استثمارية جديدة تشرف على تنفيذ المشروع وتخضع للرئاسة مباشرة بعيدًا عن الجيش، وهو ما رفضه المجلس العسكري جملة وتفصيلًا بحجة الإضرار بالأمن القومي، بالرغم من إشراك مرسي للجيش في تنفيذ المشروع والتربح من عوائده!

وتلاقت إرادة الإمارات في إفشال المشروع مع خونة العسكر باستهداف حكم مرسي والانقلاب على التجربة الديمقراطية الوليدة والخلاص من شخصه بغطاء دولي من الإدارة الأميركية.

تصدير الثورة

سجل د. محمد مرسي موقفا غير مسبوق في الأمم المتحدة عندما بدأ كلمته بالصلاة على النبي، صلى الله عليه وسلم، وإعلان محبته واحترام من يحترمه ومعاداة من يمسه بسوء بقولٍ أو عمل. وكذلك في إيران وقد استهل الكلمة بالصلاة على النبي وآل بيته، ثم ترضّى على الصحابة الكرام وهو يجلس بجوار الرئيس أحمدي نجاد. زادت شعبية مرسي بين الشعوب الإسلامية بخطاباته غير المعهودة من زعيم عربي يتكلم بجدية ورأس مرفوع.

أثارت شعبية مرسي القلق لدى حكام السعودية على وجه الخصوص، وأحرج شرعيتهم وهو يعلن أنه كرئيس عليه واجبات وليس له حقوق، وهو تصريح غريب على المنطقة يمكن أن يلفت الشعوب للمطالبة بحقوقها المسلوبة من الملوك المتحكمين في رقابها بسلطان القهر. وكانت فوبيا الربيع العربي وتصدير الثورة المصرية إلى بلادهم التي يحكمونها بالحديد والنار هاجسا يشغلهم بشدة.

وعلى الرغم من تعمد مرسي زيارة المملكة في أول زيارة خارجية له، وإظهاره احترام الملك وتأكيده آفاق التعاون المتبادل في الماضي والمستقبل، وتطمينهم بعدم سعيه لتصدير الثورة، على عكس ما فعل جمال عبد الناصر في الستينيات من القرن الماضي، لكن هاجس الخوف من الثورة المصرية التي قطعت شوطًا كبيرًا في النجاح وإمكانية انتشارها في المحيط العربي رغمًا عن الجميع كان قويًا عند آل سعود، حيث تشكل فئة الشباب تحت سن الأربعين 65% من سكان المملكة.

وقد رصدت أجهزة المخابرات انبهار الشباب بشخص مرسي، وعلى وجه الخصوص موقفيه في الأمم المتحدة وإيران، وقام الشباب السعودي بتحميل كلمات مرسي في الموقفين وجعلهما نغمة ورنات للموبايل.

وكذا رصدت زيارة مرسي لباكستان، الحليف الاستراتيجي للسعودية وكيف ارتفعت صوره في كل أنحاء باكستان دون توجيه من الحكومة الباكستانية، الأمر الذي يزيد قلق السعودية من اهتزاز مكانتها الدينية بين حكومات الدول الإسلامية.

طلب مرسي من الملك عبد الله تسهيلات ائتمانية لشراء منتجات بترولية سعودية آجلة الدفع، للتغلب على أزمة السولار والبنزين التي تستغلها المخابرات ورجال الدولة العميقة في تذمر الشارع المصري من حكمه، لكن الطلب رُفض، لتتوالى فصول الكيد للتجربة الديمقراطية المصرية حتى تنتهي بالانقلاب العسكري الدموي عليها، والخلاص من الرئيس محمد مرسي للأبد، في اليوم نفسه الذي جرى انتخابه فيه قبل ست سنوات رئيسًا لمصر.

Facebook Comments