“محتجز حاليا في مطار تونس بعد منعي من الدخول”.. عبارة كتبها على حسابه في تويتر الدكتور “أسامة رشدي”، المستشار السياسي لحزب البناء والتنمية السابق، بعدما أوقفته سلطات مطار تونس الدولي، ومنعته من دخول البلاد لحضور أحد المؤتمرات قبل أن يسمح له بعدها بالدخول.

ونشر “رشدي” مقطع فيديو يؤكد منعه من دخول البلاد واحتجازه في المطار، وكتب: “محتجز حاليا في مطار تونس بعد منعي من الدخول؛ حيث كنت مدعوًّا لـ#مؤتمر_العدالة_الانتقالية الذي أشارك فيه بورقة عن فشل التجربة المصرية في العدالة الانتقالية”.

وتابع: “قوائم بن علي – مبارك لا تزال تعمل وكنت أتمنى أن أجد #تونس الديمقراطية الجديدة تتعامل مع الحقوقيين العرب بشكل أفضل لذلك حزني مضاعف”.

إحراج الرئيس

ويبدو أن الدولة العميقة في تونس أو بقايا نظام المخلوع بن علي تقصد إحراج الرئيس التونسي الجديد قيس بن سعيد، ويقول المفكر والسياسي التونسي المنصف المرزوقي: إن الدولة العميقة في تونس فشلت في تكرار السيناريو المصري، مشيرًا إلى أن محاولات تصفية الثورة التونسية بدأت باغتيال السياسي المعارض شكري بلعيد.

يقول الدكتور محمد الصغير، المستشار السابق لوزارة الوقاف المصرية: “د. أسامة رشدي عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان محتجز في مطار تونس وممنوع من الدخول! مع أنه يحمل دعوة للمشاركة في مؤتمر العدالة الانتقالية، وكان قبل يومين مشاركًا في المؤتمر الأممي الذي ناقش سجل مصر المزري في حقوق الإنسان ومعاملة المعتقلين”.

ويقول الإعلامي أحمد منصور: “احتجاز الدكتور أسامة رشدي في مطار تونس ومنعه من الدخول للمشاركة في مؤتمر علمي رغم الإطاحة ببن علي وانتخاب قيس سعيد رئيسا للدولة وراشد الغنوشي رئيسا للبرلمان لكن يبدو أن الحاكم الحقيقي حتى الآن هو نظام بن علي والدولة العميقة التي تتحكم في مفاصل تونس”.

وصفقت الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج لتونس والشعب التونسي على اختياره ابن الشعب قيس سعيّد رئيسًا جديدًا للبلاد، وفرح العرب بانتصار هذا الأستاذ الجامعي القادم من خارج الدولة العميقة على حيتان السياسة والاقتصاد والإعلام والجيش والمخابرات.

لقد كان الشعب التونسي صادقا جدا في اختياره لسعيّد، فقد أراد أن يوجه رسالة للطبقة الحاكمة في تونس بأنه ضاق ذرعا برموز السلطة القدامى والجدد، وأنه يمنح ثقته هذه المرة لشخصية نظيفة لم تتلوث بفساد السلطة وامتيازاتها على أمل أن يخلق نظاما سياسيا جديدا يناسب طموحات الثائرين التونسيين الذين لم يجنوا من ثورتهم حتى الآن سوى الخيبة والإحباط.

جاء فوز قيس سعيد بفوزه برئاسة تونس على منافسه المثير للجدل نبيل القروي ليعيد الأمل في ترسيخ التجربة الديمقراطية التونسية، ولكن الواقع أن طريق قيس سعيد مليء بتحديات كبيرة.

فرغم الفوز الكبير الذي حققه سعيد على منافسه، يجب ملاحظة أن الفارق الهائل في النسبة بين الرجلين جاء بسبب شخصية نبيل القروي المسجون على ذمة قضايا فساد وغسيل أموال.

وبالتالي فإن فوز سعيد جاء في جزء منه نتيجة موقف ناخبين رفضوا أن يعطوا أصواتهم لشخصية مريبة كنبيل القروي، ولكنهم ليسوا بالضرورة مؤيدين لقيس سعيد إن لم يكن الكثير منهم متحفظين عليه.

تحصين الثورة

وهو ما يؤكده المرزوقي بأن الدولة العميقة في تونس حاولت تكرار تجربة الانقلاب على الثورة التي نجحت في مصر، مشيرا إلى أن عمليتي اغتيال السياسيين البارزين شكري بلعيد ومحمّد البراهمي، كانتا مبرمجتين من قبل غرفة عمليات خارجية ومتعددة الأطراف، حيث تزامنتا مع تمرير قانون تحصين الثورة وقبل الانتهاء من صياغة الدستور، لكنه أشار إلى وجود عقبات كثيرة حالت دون تطبيق السيناريو المصري في تونس.

واعتبر المرزوقي أن غرفة العمليات التي عملت على إفشال الثورة المصرية نفسها هي من حاولت إفشال الثورة التونسية :”العقل نفسه المدبر مستخدما الأدوات ذاتها والخطاب والأسلوب”، مشيرا إلى أن الإعلام ضخم الأمر كثيرا؛ حيث “روّج لخروج الملايين للشارع في حين لم يخرج سوى 200 ألف محتج كما أن وزير الدفاع أعطى بدون أذن منه طائرة مروحية لإحدى القنوات التلفزيونية لتصوير المظاهرات”.

وقال إنه عقب علمه بعملية الاغتيال كان المرزوقي على موعد لإلقاء خطاب في البرلمان الأوروبي، مضيفا: “كنت متأثرا باغتيال شكري بلعيد.. كنت أعرفه واستقبلته أكثر من مرة في قصر قرطاج.. وشكل موته بالنسبة لي صدمة شخصية وشعرت أن هناك محاولات لبدء تصفية الثورة التونسية، فتحدثت بلغة مؤثرة وطلبت من البرلمان الوقوف دقيقة صمت.. وتحدثت عما عانيناه في الدول العربية”.

الدولة العميقة

وأشار المرزوقي إلى أن التلفزيون الرسمي في حينه رفض بث الخطاب، وبرر ذلك بأن “أخطبوط الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي كان موجودا في كل مكان.. حتى خطابي في الأمم المتحدة لم يبثوه”، مشيرا إلى أن “الدولة العميقة ظلت مسيطرة على مفاصل الدولة وإعلامها، وكانت الحكومة ضعيفة غير قادرة على أخذ القرارات المصيرية، فكان ما يحدث هو نتيجة هذا الضعف”.

وعلى الرغم من الاهتمام البالغ الذي أحيط بالانتخابات التونسية يجب ملاحظة أن النظام السياسي التونسي أقرب للنظام البرلماني، وبالتالي فإن سلطات رئيس الجمهورية محدودة وتتعلق بالفصل بين السلطات وقضايا الأمن القومي.

ومن هنا قد تأتي أكبر مشاكل قيس سعيد فأستاذ القانون الدستوري يجاهر برغبته في تغيير النظام السياسي التونسي لتقوية صلاحيات الرئيس وزيادة سلطات الحكم المحلي، وبصرف النظر عن مدى صحة هذا التوجه، فإنه لا يستطيع ممارسته دون الاتفاق مع الأحزاب التي تسيطر على البرلمان والتي في الأغلب لن توافق.

Facebook Comments