كتب- سيد توكل:

 

ما عاد شيء يثير الدهشة في مصر عزيزي المواطن المغلوب على أمرك، حتى لو سمعت أنك أكلت أنت ومن حولك آلاف الأطنان من لحوم الحمير غير الصالحة لاستعمال حديقة حيوان الجيزة، ولو حتى سمعت نداء مديرية الصحة بالبحيرة وهي تحذرك بدلع وسهوكة أنت وجيرانك من شراء وتناول دواء «كيمي بيكت»، مؤكدة أنه يسبب الوفاة!

 

وبعد استيراد مافيا الدواء له وطرحه في السوق وتداوله، يبرئ القتلة أنفسهم بهذا النداء، وتناشد المديرية جميع الصيدليات في البحيرة وجميع المحافظات، بعدم التعامل نهائيًا مع هذا المستحضر، وسرعة تجميد الكميات الموجودة منه وخلاف ذلك سيعرضهم للعقوبة القانونية.

 

وأكد الدكتور علاء عثمان وكيل وزارة الصحة في حكومة الانقلاب، أن الوزارة أرسلت للمحافظات منشور بهذا التحذير، وعلى الفور اتخذت المديرية مايلزم تجاهه، موضحًا أن المديرية تبذل قصارى جهدها من أجل القضاء على الأدوية المخالفة الموجود بالصيدليات في المحافظة للحفاظ على صحة المواطنين.

 

كيمي بيكت قاتل

 

وأصدرت الإدارة المركزية للشئون الصيدلية بوزارة الصحة في حكومة الانقلاب، منشورا جاء متاخراً كالعادة حمل رقم (13) لعام 2017 تحت مسمى «غش دوائي » تحذر من خلاله المواطنين التعامل أو تعاطي مشروب «كيمي بيكت» مسكن للسعال.

كما طالبت فيه إدارات التفتيش الصيدلي بالمحافظات بضبط وتحريز ما يوجد بالأسواق المحلية والوحدات الحكومية لما يسببه من حالات وفاة في بعض الدول، موضحة أن هذا المنتج غير مسجل طبقًا للكشوف وقاعدة البيانات الخاصة بالأدوية، والسؤال هو من سمح باستيراده وإدخاله للبلاد؟

 

وليس بعيداً عن إجرام وزارة الصحة ومافيا الدواء ، يذكرنا الموقف بالمخرج كمال الشيخ، الذي التقط حادثة مثل هذه قرأها فى صحيفة، وأوجز حولها فكرة لينقلها إلى الكاتب الراحل على الزرقانى الذى نسج من الفكرة قصة، صاغ لها السيناريو والحوار كمال الشيخ وبدأ مشاوراته مع المنتجين حتى تحمست الراحلة آسيا للعمل، وبدأ تصوير الفيلم ليشهد شهر ديسمبر 1954 ميلاده الأول (حياة أو موت).

 

مصر بين الحياة والموت

 

اثنان وستون عاماً من عمر مصر وعاصمتها تحت قهر وجبروت وقمع العسكر، لكن ذاكرة هذا العمر لم يسقط منها ذاك النداء الذى انطلق مدوياً (من حكمدار العاصمة إلى المواطن أحمد إبراهيم القاطن بدير النحاس، لا تشرب الدواء الذى أرسلت ابنتك فى طلبه، الدواء فيه سم قاتل، عند سماعك هذه النشرة بلغ الحكمدارية، وعلى من يعرف أحمد إبراهيم المذكور المبادرة بتحذيره، إذا كان قريباً منه أو إخطار الحكمدارية فورًا).

 

وبعد عدة أشهر كان الفيلم يعرض فى مهرجان (كان السينمائى الدولي)، حيث دوى تصفيق نجوم العالم وكبار نقاده مع نهاية الفيلم وإنقاذ الشرطة في ذلك الوقت لـ (المواطن أحمد إبراهيم)، صفقوا تحية للإنسان المصرى الذى يدرك قيمة الحياة، ولإنسانية جهاز الشرطة قديماً الذى قرر أن يسخر كل طاقاته لإنقاذ (مواطنه الإنسان)، واستسلموا لواقعية سحرية صنعتها عدسة المبدع كمال الشيخ فأحالت شوارع القاهرة وأزقتها إلى استديو تصوير مفتوح.

 

صفق العالم للفيلم عندما تكامل إبداعه مع واقعه ليرسم لوحة إنسانية لدولة في ذلك الزمان، استطاعت أن تقدم لهم دفئاً إنسانياً تأكله برد ماديتهم التى كانت تزحف قبل أن تستلب منهم كل شيء اخيرا، قبل ان يحول العسكر هذه الدولة الى مقبرة واسعة.

 

 

مصر بدل الفساد والإفساد العسكري ملامحها، حتى تحولت مصر التى جسدها (الشيخ) فى (بين الحياة والموت)، والتى صفق العالم لها احتراماً وانبهاراً، إلى حلبات فوضى تتسع بعدما اكتشف مواطنها (أحمد إبراهيم) القاطن فى كل شارع أو حارة أو نجع، أنه غير آمن على وصول دواء لعلله، وغير واثق من أن هذا الدواء ليس فيه سم قاتل، أو أن حكمدار العاصمة يعبأ بأوجاعه، هذا علاوة على غياب (كمال الشيخ) الفنان الحالم بنموذج الوطن الذى ينبغى أن يكون، ويسعى لتجسيد حلمه شريطاً سينمائياً يوقظ ضمير كل (حكمدار)، ويعيد الثقة إلى كل (أحمد إبراهيم)، ويترجم دور الدولة الراعية فى أداءات تتفاعل كلها من أجل حماية المواطن الإنسان.

 

إن الحديث عن فيلم (حياة أو موت) فى هذا التوقيت الذي أسرف فيه الانقلاب في الفساد، يتجاوز محاولة التأريخ لعمل فني، إلى كونه شعار مرحلة، فكل مواطن على ظهر المحروسة هو (أحمد إبراهيم)، وكل مسئول فى هذا الوطن هو (حكمدار العاصمة)، وكل عالم دين أو سياسى أو إعلامى أو مبدع أو متصدر للمشهد بأى طريقة، هو الصيدلانى الذى أخطأ فى تأييد الانقلاب وعليه أن يصلح خطأه.

 

مصر المسمومة

 

مصر الآن بعد انقلاب 30 يونيو 2013 تحيا واقع (حياة أو موت)، وحجم الأدوية المسمومة الواردة إليها، فى منشطات دينية أو أقراص سياسية أو حقن ثقافية أو حتى (لبوس) سياسي، كلها يتجاوز قدرة كل حكمدار، ويعلو فوق وعى كل مواطن، الأمر الذى ينذر بتعاظم التهديد المحدق بالوطن، ويصبح الخيار المطروح على كل أبناء هذا الوطن هو اسقاط الانقلاب.

 

وبالتأكيد يحتم هذا الخيار المصيرى على كل من أخطا وأيد الانقلاب في 30 يونيو، أن يملك جسارة الاعتراف بعوار أصاب طاقته أمام الفساد والإفساد، وأحال كل راعٍ إلى موظف عند العسكر، وهذا الاعتراف الحتمى ينبغى أن يتم أول ما يتم بين يدى ضميره الشخصي، حتى يتحول إلى طاقة قادرة على مواصلة الحراك الثوري ضد الانقلاب.

 

 

 

Facebook Comments