حذر خبراء اقتصاد من إفلاس مصر بسبب تصاعد الديون في عهد العسكر، منتقدين توجه قائد الانقلاب الدموي المستمر نحو القروض؛ ما أدى إلى ارتفاع إجمالي الديون الخارجية والداخلية إلى 4ر362 مليار دولار.

وقالوا: إن هذا التوجه ستكون نهايته كارثية خاصة بالنسبة للأجيال القادمة، موضحين أن فوائد الديون ستلتهم الناتج القومي الإجمالي، ولن تترك شيئا لتلبية حتى الاحتياجات الضرورية للمصريين.

وأشاروا إلى أن سياسة الاقتراض بشراهة التي يعتمد عليها العسكر ستضع مصر على طريق اليونان حينما أعلنت إفلاسها عام 2010.

كان البنك المركزي المصري قد كشف أمس الأربعاء عن ارتفاع الدين الخارجي المستحق على مصر إلى 108.7 مليار دولار بنهاية يونيو 2019، بزيادة 16.1 مليار، بنسبة 17.3% عن نهاية يونيو 2018.

وأعلنت النشرة الإحصائية الشهرية الصادرة عن البنك سداد مدفوعات خدمة الدين الخارجي بقيمة 13.4 مليار دولار خلال السنة المالية 2018-2019، موزعة بواقع 10.2 مليار دولار أقساط مسددة و3.2 مليار دولار فوائد مدفوعة.

وأرجع البنك ارتفاع الدين إلى “زيادة صافي المستخدم من القروض والتسهيلات بنحو 16.5 مليار دولار، وانخفاض أسعار صرف معظم العملات المقترض بها أمام الدولار الأمريكي بنحو 400 مليون دولار”.

إفلاس اليونان

من جانبها توقعت وكالة “موديز” للتصنيف الائتماني استمرار المخاطر الداخلية والجيوسياسية؛ باعتبارها من أهم المخاطر بالنسبة للديون السيادية لمصر، في ظل الارتفاع الملحوظ في وتيرة الاقتراض بالبلاد.

وقالت الوكالة في تقرير لها: إن وتيرة الاقتراض المتسارعة، وكذلك القصيرة الأجل وارتفاع عجز الموازنة والقفزات المتوالية للدولار وارتفاع نسبة التضخم جعلت شبح اليونان يطارد المصريين.

يذكر أن أزمة اليونان لم تنشأ من فراغ، ولكن كانت هناك أسباب مباشرة، دفعت بالبلاد لحافة الإفلاس، وتعيش مصر في زمن العسكر نفس هذه المشاكل، وأبرزها:

أولاً: ارتفع الدين العام للدولة اليونانية إلى 299.7 مليار يورو، بالإضافة إلى ارتفاع نسبة العجز والإنفاق العام، خلال فترة حكم رئيس الوزراء “كوستاس كرامنليس”؛ التي استمرت خمسة أعوام؛ من العام 2004، إلى العام 2009.

في عام 2010 بلغت ديون اليونان نسبة 163% من الناتج القومي؛ أي ما يعادل 355.617 مليار يورو، ولم تعد الدولة قادرة على سداد فوائد ديونها؛ ما وضعها على حافة الإفلاس، فكان لا بد من الاستعانة بقروض مالية لتتجاوز هذا الأمر.

ثانيا: الفساد الحكومي الذي انتشر في كافة أرجاء الدولة؛ حتى وصل للقطاعات الخاصة، وأصبح الفساد والرشوة؛ لا تخلو منه أيّ تعاملات في اليونان.

ثالثا: ارتفاع أسعار البترول؛ الذي أثّر بدوره على زيادة أسعار السلع والصناعات، وارتفاع نسبة التضخم بصورة  كبيرة.

رابعا: لجأت اليونان إلى صندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي لتقديم القروض المالية؛ شريطة أن تتبع سياسة التقشف على مواطنيها لتتمكن من سداد قروضها لهم، وكان لسياسة التقشف أثر قاس على الطبقة المتوسطة.

مصر على الطريق

وعلى طريق السيناريو اليوناني كشفت بيانات جديدة صادرة عن البنك المركزي المصري عن أن الدين المحلي قفز على أساس سنوي في مارس 2019، بنسبة 18.8 في المائة.

وأشارت إلى ارتفاع الدين الخارجي بنحو 20 في المائة في الفترة ذاتها، في تصاعد غير مسبوق للديـون دون توقف منذ انقلاب عبدالفتاح السيسي على أول رئيس مدني منتخب في تاريخ مصر الشهيد الدكتور محمد مرسي صيف عام 2013.

وأوضح البنك المركزي أن إجمالي الديـن العام المحلي وصل إلى نحو 4.204 تريليونات جنيه (256.2 مليار دولار) في مارس الماضي، مقابل 3.538 تريليونات جنيه (215 مليار دولار) في نفس الشهر من 2018.

يذكر ان الدين المحلي قفز منذ هيمنة العسكر على الحكم قبل خمس سنوات بنسبة 147 في المائة؛ حيث استدان نظام العسكر من البنوك المحلية أكثر من ضعف ما استدانه خمسة رؤساء سابقين تعاقبوا على حكم مصر منذ أكثر من 60 عامًا، وكان الدين المحلي 1.7 تريليون جنيه منتصف 2014.

تأتي الزيادة غير المسبوقة في الديـون رغم مزاعم حكومة السيسي بتنفيذ برنامج اقتصادي بالاتفاق مع صندوق النقد الدولي منذ نوفمبر 2018، تضمن إجراءات مؤلمة للفقراء منها رفع أسعار الوقود والكهرباء والغاز والكثير من السلع والخدمات ضمن خطط لإلغاء الدعم.

كذلك حرّرت حكومة العسكر سعر صرف الجنيه أمام العملات الأجنبية؛ ما أدى إلى تهاوي العملة المحلية لتصل حاليًا إلى 16.5 جنيه أمام الدولار مقابل 8.8 جنيه قبل هذه الخطوة؛ ما أدى إلى موجات غلاء غير مسبوقة وفاقم الأعباء المعيشية لأغلب المصريين.

لغة الأرقام

الأرقام تقول إن الديون تصاعدت خلال السنوات العشر الأخيرة بوتيرة لم تشهدها مصر على مدار القرن العشرين.

ومع أفول عهد المخلوع حسني مبارك، وتحديدًا في ديسمبر 2010، وصل الدين المحلي إلى 962.2 مليار جنيه، والخارجي إلى 34.9 مليار دولار، ومثلت تلك الديون 84.5% من الناتج المحلي الإجمالي.

وأثناء حكم المجلس العسكري من فبراير 2011 وحتى نهاية يونيو 2012 قفز الدين المحلي إلى 1.238 تريليون جنيه (69.5 مليار دولار) والدين الخارجي إلى 34.3 مليار دولار، وأصبح إجمالي الديون 86.3% من الناتج المحلي.

وخلال السنة التي تولى فيها الدكتور محمد مرسي رئاسة البلاد، ارتفع الدين المحلي إلى 1.527 تريليون جنيه والدين الخارجي إلى 43.2 مليار دولار، حيث وصل حجم الديون لـ98.4% من الناتج المحلي.

وارتفعت الديون في عهد عدلي منصور بعد الانقلاب العسكري على أول رئيس مدني منتخب للبلاد في يوليو 2013، ليصل إجمالي الديون الى 100.7% من الناتج المحلي.

وفى عهد عبدالفتاح السيسي في يونيو 2014؛ ارتفعت مؤشرات الدين بشكل غير مسبوق.

ووصل الدين المحلي إلى 3.536 تريليونات جنيه والخارجي إلى 88.1 مليار دولار، ومثلت الديون 123.6% من الناتج المحلي، مع نهاية مارس 2018.

ولا تقف الخطورة عند حد أرقام الاستدانة، لكنها تمتد إلى زيادة فوائد الديون التي يتعين على نظام العسكر تسديدها سنويا.

فوائد الديون

ووفق بيانات وزارة المالية بحكومة الانقلاب تصل فوائد الديون إلى 541 مليار جنيه (30.4 مليار دولار).

وأعلن البنك الدولي، في تقرير حديث، له أن الدين الخارجي لمصر ارتفع خلال الربع الأول من العام الحالي بنسبة 20.4% على أساس سنوي.

وأوضح أن الدين الخارجي لمصر ارتفع إلى نحو 106.2 مليار دولار بنهاية مارس الماضي، مقابل نحو 88.16 مليار دولار بالفترة المقارنة من العام الماضي بزيادة بلغت نحو 18.1 مليار دولار، مشيرا إلى أن “60 في المائة من المصريين إما أنهم فقراء أو عرضة للفقر”.

وقال وليام جاكسون كبير اقتصاديي الأسواق الناشئة لدى “كابيتال إيكونوميكس”، في مذكرة بحثية: إن هناك مخاطر سلبية واضحة للدين الخارجي، من بينها مخاطر تجديد القروض إذا تدهورت الرغبة في المخاطرة، وبالتالي يصبح من الصعب للغاية الحصول على تمويلات خارجية جديدة لتدوير الديون المستحقة.

ونوهت المذكرة البحثية إلى أن الدين المقوم بالعملات الأجنبية والذي يشكل غالبية ديون مصر في عهد العسكر قد يصبح إشكالية، خاصة إذا تراجعت قيمة العملة.

وأشارت “كابيتال إيكونوميكس” إلى أن قيمة الجنيه أمام العملات الأجنبية لا تزال أقل بنسبة 15% من قيمتها العادلة قبل تعويم العملة في نوفمبر 2016.

وترى أن الانخفاض الكبير في قيمة العملة – والذي من شأنه أن يؤدي إلى رفع تكاليف خدمة الدين بالعملة المحلية – يعد من المخاطر التي تواجهها مصر في الوقت الراهن.

وأوضحت أن انخفاض العجز في الحساب الجاري في مصر إلى 1% فقط من الناتج المحلي الإجمالي من 7% قبل عدة سنوات يشير إلى أنه من غير المرجح حدوث تعديل كبير في سعر الصرف.

نتيجة واحدة

وقال الدكتور أحمد ذكرالله، الخبير الاقتصادي والأستاذ بجامعة الأزهر: إن كل المقدمات تدل على نتيجة واحدة أن مصر توشك علي الإفلاس، وإن مصير اليونان بل والأرجنتين ومن قبلهما البرازيل صار قريبًا للغاية.

وأكد أن الاقتراض المفرط لمجرد سداد العجز الجاري في الموازنة العامة للدولة وتدعيم الاحتياطي النقدي وهميا وتسويق الاحتياطي للجماهير على أنه نجاح للسلطة النقدية، رغم أن الديون الأجنبية أكثر من ضعف الاحتياطي الحالي، كل هذه المعطيات تجعلنا نقترب من سيناريو اليونان بشدة.

وأضاف ذكر الله – في تصريحات صحفية – أن المشكلة الأكبر هي غياب الرؤية لدى سلطات العسكر والتي تقترض دون أي خطط لدعم الإنتاج أو تشجيع الصناعة المحلية، وتسوق أن انخفاض قيمة العملة سيشجع تدفقات الاستثمارات الأجنبية، وهو ما لم يحدث حتى الآن إلا في القطاع المالي فقط.

وأوضح أن القطاع المالي انتهز الفرص الربحية المتوافرة نتيجة انخفاض قيمة العملة وحرية تحويل الأرباح للخارج، وبالتالي وجود مثل هذه النوعية من الأموال الساخنة لا يمكن التعويل عليها خاصة في ظل عدم الاستقرار السياسي طريقا سهلا إلى البلاد.

وكشف ذكر الله عن أنه بمجرد البدء في سداد القروض الجديدة ستجد السلطة نفسها في ورطة كبيرة خاصة أنها متورطة الآن في سداد القروض القديمة، لافتا إلى أن أزمة سداد مستحقات شركات البترول الأجنبية والتي تبلغ حوالي 3.5 مليار دولار، وتماطل الدولة في سدادها حتى الآن يكشف هذه الورطة بوضوح.

وقال إنه في ظل استمرار توقف الإنتاج وسيطرة أهل الثقة والتصميم علي تعيينهم في المناصب العليا خاصة الوزارية لا يبشر بأي جديد.

وأكد ذكرالله أن أي تحليل اقتصادي عقلاني سيجعل سيناريو الإفلاس ضمن السناريوهات الأكثر احتمالية نتيجة للعوامل السابق ذكرها بالإضافة لعوامل كثيرة لا يتسع المجال لذكرها، موضحا أن عدم إفلاس مصر ليس بفعل رشد سياساتها ولكن بفعل مساندة الغرب لنظام العسكر، بل إن شبح الإفلاس القريب للغاية من الاقتصاد المصري يصده عن المصريين مساندة الغرب لنظام باتت تتحكم فيه عوامل سياسية أكثر من كونها اقتصادية.

اقتصاديات منهارة

وقال الخبير الاقتصادي الدكتور عبد النبي عبد المطلب: إن مصر بدأت الاستدانة مضطرة دون خطة ممنهجة للتنمية، موضحا أن السلطة في مصر تنامت لديها رغبة ملحة لعقد اتفاق مع صندوق النقد الدولي لتوفير تمويل في حدود 12 مليار دولار بواقع أربعة مليارات دولار سنويا، إلى جانب اتفاقات مع البنك الدولي تبلغ نحو سبعة مليارات دولار.

وأضاف: هذه الخطوات أسهمت في تكريس اعتقاد لدى السلطة بأن زيادة الديون تعني زيادة الثقة في الاقتصاد المصري من منطلق أن المؤسسات الدولية لن تقرض اقتصاديات منهارة،

وتابع عبدالمطلب في تصريحات صحفية: اعتقدت السلطة أيضا أن الثقة في الاقتصاد المصري ستساعد على جذب الاستثمار الأجنبي المباشر؛ ما يسهم في زيادة الإنتاج والدخل بما يكفي لسداد الديون”.

وأشار إلى أن الجزء الأكبر من قرض صندوق النقد ذهب إلى خفض عجز الموازنة، بينما ذهبت قروض البنك الدولي لتمويل رفع كفاءة البنية الأساسية وتجويد الحياة الاجتماعية.

دائرة جهنمية

وحذر الدكتور أحمد خزيم، خبير اقتصادي، من أن ارتفاع الدين العام الداخلي والخارجي يمثل الخطر الأكبر على الدولة، مؤكدًا أنه يصيب موازنة الدولة بالعجز الذي يؤدي إلى الاقتراض لسد الفجوة بين الإيرادات والنفقات.

وقال خزيم، في تصريحات صحفية، إن ذلك الأمر بمثابة دائرة جهنمية، تؤدي إلى اتخاذ قرارات تصيب الاقتصاد بكل الأمراض من تضخم وركود وتوقف الاستثمارات، ويمكن أن تنتهي بإعلان الإفلاس.

وأشار إلى أنه كلما اتسع مقدار الدين وتجاوز حد الأمان 60% من الناتج القومي المحلي، كلما كان الضغط أكثر اتساعًا على الطبقات الوسطى في المجتمع مما يؤدى لزيادة الاحتقان والكثير من المشكلات الاجتماعية الخطيرة من جرائم وعنوان وإدمان وفقدان أمان يؤدي إلى تفكك التماسك الاجتماعي الذي يمثل المناعة الداخلية لاستقرار الدولة.

Facebook Comments