صرت أخشى على أبنائنا من ضياع الدين من نفوسهم بالكلية، بعدما تعددت مظاهر انشغالهم عنه؛ من خلو المساجد منهم، وعدم حماسهم– عكس أبناء جيلنا- للتعاطى مع محفزات الطاعة وشحذ الهمم الإيمانية والبحث عن أواصر الأُخوة، فضلًا عن مظاهر تردى المعاملات والأخلاق التى صارت سمة عامة يتصف بها الشباب، إلا من رحم ربى.

والذى يرصد هذه الظواهر السيئة المزعجة يرصد كذلك أسبابها، وربما التَمَسَ العذر لأبناء هذه السن الذين حُرموا خيرًا كثيرًا، وقد وُضعت فى طريقهم –عمدًا- تحديات خطيرة حالت بينهم وبين أن يكونوا أفرادًا صالحين شغوفين بالدعوة لدينهم، ساعين لتحصيل العلم وتحسين الخلق.

لقد فُرض على هذا الجيل التورط فى الجلوس أمام شبكات التواصل الاجتماعى وما جرَّ عليه من ضياع الوقت؛ ومن ثم الاستهانة بالفرائض والوقوع فى ذنوب المشاهدة المحرّمة وما يستتبعها من آثام أخرى وورطات ربما أوقعته فى الكبائر. وللأسف صارت تلك المفسدة العظيمة متاحة للجميع بمن فيهم تلاميذ الابتدائى، ومن شبَّ على شىء شاب عليه؛ فمن ترب على القرآن كبر على حبه والتواصل مع أهل الخير والصلاح، ومن تربّى على هذه القاذورات لا شك يبحث عن أمثاله من الخاملين ممن أدمنوا هذا الوسخ وما يتفرع عنه من معاص تفسد الفطرة وتذهب العقل.

وللأسف لم يجد الشباب معينًا على هذا الأمر، والعون هنا لا يقتصر على الأسرة، بل هو بالأساس مسئولية الدولة؛ فالدول المحترمة تحجب المواقع المسيئة، وتفرض القيود على المواد المضرة بهم، لكن لأننا فى (شبه دولة) فليس هناك آذان تسمع، بل لا أبالغ إذا قلت إن (شبه الدولة) تشجع هذه المواقع، وتسعى سعيًا لإلهاء الشباب وإفسادهم؛ لهدف وحيد هو صرفهم عن الولوج إلى ساحة السياسة.

ومن الأسباب التى صرفت الشباب عن الدين؛ خوفهم من الاضطهاد من جانب النظام القائم الذى يسعى لاستئصال الدين والمتدينين، وقد رأى الشباب ماذا فُعل بالصالحين؛ حتى تخفّى نفرٌ من الملتزمين دينيًا بعد الانقلاب المشئوم، فمن كان يتردد على المساجد لم يعد يتردد عليها، ومن كان يهتم بالهدى الظاهر صار يفعل كما يفعل الشباب المنفلت من تطويل الشعر وارتداء الشاذ من الملابس، وتقليد المجافين للدين والأعراف.

وقد فرض الجو العام والمأزق السياسى الراهن وما أفرزه من انعدام للعدالة، حالة من الإحباط واليأس لدى الشباب، حتى شك بعضهم فى قدرة السماء؛ إذ يرون بأعينهم تسُّيد النفايات وتأخر الكفايات، ويرون الرويبضات هم قادة المجتمع وأهل الرأى، وهم من لا دين لهم ولا خلاق؛ فينصرفون آسفين عن الدين، منعزلين عن العمل العام الذى سُدّت منافذه جميعًا؛ فلا سياسة يمارسونها، ولا إعلام يعلنون فيه آراءهم، ولا جامعة يقيمون فيها أنشطتهم، ولا مدارس تستوعب طاقاتهم. أين يذهب الشاب إذًا؟ يذهب بالطبع إما لـ (الفرجة) على الفيديوهات الإباحية، أو الإلحادية، أو يذهب إلى تليفونه لإجراء حوار مع (صديقه) أو (صديقته) من الجنس الآخر، وهو حوار –بالطبع- حرام وفاسد، وعواقبه قد تصل إلى الجريمة. لكن ماذا يفعل وقد حُرّم عليه ما أُحلّ لزميله المسيحى الذى تُفتح له الكنيسة ليل نهار يمارس فيها ما يشاء من أنشطة، فضلا عن مشاركاته فى رحلات دينية وأنشطة ترفيهية ورياضية وتربوية يجوب أثناءها المحروسة من شمالها لجنوبها.

ولا يخفى علينا أن المخدرات والخمور والدعارة صارت (على عينك يا تاجر) وبأمر النظام، وأن المقاهى يتضاعف عددها كل سنة، وأن هناك علب الليل التى يُطلق عليها (الكافيهات) وأن هذه وتلك تعمل حتى الصباح وتُرتكب داخلها الموبقات، والشباب طائش، ومن تورط مرة يفعلها ألف مرة. واذكر هنا عدد المدمنين والمدمنات، وهو عدد لا يُحصى لكثرته وقل ماذا فعل النظام للوقاية من هذا الخراب؟

إن الأمر جلل، والحلول إن لم تأت عاجلة ووافية فكبِّر على بلدنا أربعًا؛ فالمحصول سيكون شبابًا خنعًا لا خير فيهم؛ وإذ أحمِّل النظام كل هذا الضياع؛ فعلى الأسرة الكفاح للحفاظ على أولادها من التورط فى تلك الموبقات التى تبدأ صغيرة ثم تستفحل فإذا الولد أو البنت عالة على الأبوين بدلًا من أن يكون أحدهما أو كلاهما ينبوعًا للبر والصلاح. نسأل الله السلامة.

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

Facebook Comments