في الوقت الذي ينشغل فيه المصريون بتنفيذ ميليشيات الانقلاب نحو 15 قرارًا بالإعدام بحق نشطاء ينتمون إلى التيار الإسلامي وثورة يناير، وكذلك التفجيرات التي وقعت مؤخرًا، بخلاف السجال الدائر حول ترقيعات الدستور، والتي تفضي إلى تأبيد زعيم الانقلاب عبد الفتاح السيسي في الحكم، واصلت حكومة العسكر الاستدانة بشراهة؛ وبدأت وزارة المالية، الثلاثاء الماضي، اقتراض 5 مليارات دولار من الأسواق الدولية عبر طرح سندات في بورصة لوكسمبورغ، بينما يؤكد نواب في اللجنة الاقتصادية بالبرلمان أن حجم الديون الخارجية وصل إلى 110 مليارات دولار.

ويأتي هذا التوجه نحو الاقتراض، علمًا أنه في نفس التوقيت من العام الماضي تم اقتراض 4 مليارات دولار من هذه البورصة تحديدًا، كما جرى خلال شهر فبراير اقتراض أكثر من 3 مليارات دولار، منها 2 مليار دولار قيمة الشريحة الخامسة لقرض صندوق النقد الدولي.

وتطرح شراهة الاستدانة من جانب حكومة الانقلاب، تساؤلات حول توقيت توقف قطار الاقتراض من الخارج، والذي أفضى إلى تضاعف الديون الخارجية بدرجة جنونية خلال السنوات الماضية ليقترب من حاجز المائة مليار دولار، وهو بحسب مراقبين رقم مخيف مقارنة بحجم التدفقات النقدية السنوية للبلاد والالتزامات الخارجية المستحقة، ويرتب التزامات خطيرة على الأجيال المقبلة.

وفي 27 يناير الماضي، وافقت لجنة الشئون التشريعية في مجلس النواب على 6 اتفاقيات دولية وقعها زعيم الانقلاب، في إطار سياسة التوسع في الاستدانة من الخارج، في وقت تظهر فيه البيانات الرسمية أن الدين العام للبلاد قفز، في نهاية يونيو 2018، إلى 5.34 تريليونات جنيه، منها “ديون محلية” بقيمة 3.69 تريليون جنيه، ونحو 92.64 مليار دولار كديون خارجية، ما يعني أن السيسي وحده في خلال 5 سنوات اقترض ضعف كل ما اقترضه رؤساء مصر السابقون على مدار 60 سنة!.

وكشف وكيل اللجنة، النائب أحمد حلمي الشريف، عن أن حجم الدين الخارجي لمصر ارتفع مؤخرا إلى 110 مليارات دولار، بناءً على حديث وزير المالية، محمد معيط، مع اللجنة، ما يشكّل خطرا شديدا على الموازنة العامة للدولة وحجم الدين العام، مشددا على ضرورة الوقوف أمام ارتفاع حجم الدين خلال مناقشات البرلمان في الفترة المقبلة.

وفي 04 فبراير الجاري، كان وزير المالية، محمد معيط، قد قال إن فوائد وأقساط الديون تناهز نحو 800 مليار جنيه في موازنة الدولة للعام المالي 2018/2019، بواقع 541 مليار جنيه لفوائد الدين، و246 مليار جنيه لسداد أقساط الدين، وهو ما يمثل عبئا كبيرا على الموازنة العامة، ويستدعي تقليل الاعتماد على الاستدانة من الخارج، من خلال تحقيق زيادة تدريجية في الفائض الأولي بهدف خفض العجز.

ماذا بعد قرض الصندوق؟

وفي مقاله “قطار الاقتراض المصري السريع.. متى يتوقف؟” يطرح الخبير الاقتصادي مصطفى عبد السلام السؤال الملح عند كل الاقتصاديين: ماذا بعد انتهاء الاتفاق الحالي مع صندوق النقد الدولي والمحدد له منتصف العام الجاري، وصرف الشريحة السادسة والأخيرة من الـ12 مليار دولار هي قيمة القرض؟ ويضيف متسائلا: هل سيتم مد آجال الاتفاق مع الصندوق، وبالتالي يقبع المواطن البسيط لسنوات مقبلة تحت نيران وسياسات الصندوق المذلة، وترهن البلاد قرارها الاقتصادي والمالي لمؤسسات مالية دولية تعمل لمصلحتها وليس لمصلحة الاقتصاديات الوطنية والمواطن؟.

وبحسب المقال، فإنه لم يعد أحد يصدق تصريحات الحكومة المتواصلة بفرملة الاقتراض، ووضع قيود عليه، بحيث لا يتم الاقتراض من الخارج إلا لأغراض محددة ولصالح مشروعات تدر عائدًا دولاريًا يتم من خلاله سداد الأقساط والفوائد منها. ولا أحد يفسر سر وتيرة الاقتراض الخارجي المتسارعة رغم دخول البلاد 163 مليار دولار خلال السنوات الثلاث الماضية، كما قال رئيس الوزراء مصطفى مدبولي مؤخرا، اللهم إلا إذا كان الجزء الأكبر من هذه الأموال ناتجا عن الحصول على قروض وليس عن موارد ذاتية خاصة من أنشطة السياحة والصادرات وتحويلات المغتربين والاستثمارات الأجنبية.

ويتابع أنه لا أحد يعرف من أين سيتم تمويل عجز الموازنة العامة للدولة واحتياجات البلاد التمويلية عقب انتهاء قرض صندوق النقد، وتوقف الدائنين الآخرين عن منح البلاد المزيد من القروض، علما أن الحكومة اقترضت أكثر من 50 مليار دولار خلال السنوات الخمس الأخيرة، إضافة إلى مساعدات خليجية تجاوزت الرقم.

ولا تُعرف ما هي خيارات الحكومة في التعامل مع المأزق المتوقع، هل بتشجيع جذب الأموال الأجنبية الساخنة عبر طرحها مزيدا من المزايا، وأبرزها زيادة سعر الفائدة على أذون الخزانة، وهو ما يرهق الموازنة ويرفع مستوى الدين العام ويعيد أجواء التضخم للأسعار والاضطرابات إلى الأسواق، علما أن ضرر هذه الأموال على الاقتصاديات الوطنية أخطر من نفعها، أم سيتم التعامل الحكومي عبر تنشيط قطاعات اقتصادية مهمة كالسياحة والاستثمارات المباشرة وزيادة الانتاج.

وينتهي الخبير الاقتصادي إلى أنه لا توجد إجابات واضحة للتساؤلات السابقة، بل على النقيض نجد تسارعا في الاقتراض الخارجي، وسباقًا محمومًا للحصول على الأموال بغض النظر عن تكلفتها العالية وشروطها. ويحذر أنه إذا لم يتم “فرملة” قطار القروض الخارجية السريع وإيجاد حلول واقعية للأزمة، فإن هذا يعني استمرار زيادة الأسعار وفرض مزيد من الضرائب والجمارك والرسوم وخفض الدعم الحكومي المقدم للسلع الرئيسية.

Facebook Comments