هذه أهم وأخطر ذكري للأرض المحتلة، فهي تأتي بالتزامن مع طرح “صفقة القرن” الأمريكية ومؤامرات الصفقة لفرض السيادة الصهيونية رسميا على القدس والضفة، وعمليات التنازل الرسمية من قبل النظام الإقليمي العربي عن قضية فلسطين والتطبيع مع الصهاينة.

من هنا تنبع أهمية سلاح “مسيرات العودة” التي ابتكرها الشعب الفلسطيني، والتي أخذت زخما غير عادي بانطلاقها منذ مارس 2018، عبر الحدود المصطنعة بين أرض الاحتلال وغزة، والتي قلبت موازين القوى مع العدو وأصبحت سلاحا يخشاه الاحتلال ويطالب بوقفها وبسبب اندلعت عدة مواجهات كادت أن تتحول إلى حرب رابعة في غزة.

فلولا مسيرات العودة التي أحيت القضية وأجبرت الاحتلال على احترام المقاومة في غزة لماتت القضية، ومع هذا يتحرك القادة العرب لوأد المسيرات، ومنعها مقابل رفض بعض الحصار عن غزة.

فلا حل للنكبة سوى بالسلاح وقوة المقاومة؛ فهي السلاح الوحيد الذي يفهمه الصهاينة ولا يزال يبقي على ما تبقى من الأرض الفلسطينية التاريخية، ومسيرات العودة هي السلاح الصامت لهذه المقاومة، والتي دعمتها صواريخ المقاومة وسلاحها.

فالتحديات التي تواجه الشعب الفلسطيني في ذكري النكبة الـ 71 عديدة منها: إنهاء الانقسام والعمل على إحباط “خطة ترامب”، والمشاريع الاستعمارية الاستيطانية، خصوصًا في القدس والضفة ورفع الحصار عن قطاع غزة، وإبقاء القضية الفلسطينية حية، إضافة إلى توفير كل ما يلزم لضمان استمرار التواجد الشعبي الفلسطيني على أرض فلسطين.

وتأتي ذكري النكبة الـ71 في توقيت مفصلي، فالشعب الفلسطيني والعربي أمام وضع لا يوجد فيه حل وطني على الأبواب، ولا على المدى المنظور، وإنما أمام كارثة محدقة تريد إسدال فصل الختام على المأساة الفلسطينية، فالمطروح هو التنازل عما يسمي “دولة فلسطينية” حتى ولو على جزء يسير من فلسطين التاريخية، والمطروح هو فقط حكم ذاتي، أي ما هو قائم الآن، كما لا توجد إمكانية لتحقيق دولة واحدة، لأن إسرائيل تريد ضم الأرض بلا شعب، أو بأقل عدد ممكن من السكان، لهذا جاءت مسيرات العودة لتفسد هذه الخطط الصهيونية والأمريكية.

السيسي ومسيرات العودة

ولخطورة هذه المسيرات على الاحتلال وتحويلها مستوطنات غلاف غزة إلى بؤر توتر مستمرة لا يهنأ للصهاينة فيها بال، بدأ استغلال دمى المنطقة وعلى رأسهم الانقلابي عبد الفتاح السيسي لإجهاض المسيرات ضمن تدخل المخابرات المصرية برئاسة عباس كامل في غزة.

وبعد زيارة خاطفة قام بها، المبعوث الأمريكي جيسون جرينبلات، للقاهرة، وطلبات قدمها مكتب نتنياهو، شرع نظام السيسي، منذ ذكري النكبة الأخيرة عام 2018، في سلسلة تحركات استهدفت احتواء ومنع “مسيرة العودة الكبرى”، وكان الهدف هو تقديم رشاوي لغزة – عبر تل أبيب وبواسطة مصرية – كي تعدل عن التظاهر ضد الصهاينة.

ولهذا، وبدون سابق إنذار، أعلن السيسي عن فتح معبر رفح البري مع قطاع غزة، لإرضاء حماس والمقاومة، ثم شرع في الخطوة الاهم وهي دعوة قيادة حركة “حماس”، للقاءات عاجلة في القاهرة، من أجل التباحث حول عروض بشأن مستقبل حصار غزة، مقابل وقفهم مسيرات العودة أو ابتعادها عن الحدود التي رسمها العدو بينه وبين غزة.

ولم يكن تحميل الاحتلال أو الأمريكان للسيسي وعباس المسئولية عن الضغط علي حماس لوقف المسيرات، التي ازعجت الصهاينة وتهدد باندلاع حرب رابعة بين غزة ودولة الاحتلال، سرًّا؛ إذ أكدت وسائل الإعلام الإسرائيلية، أن نظام السيسي نقل عروضًا إسرائيلية إلى حركة “حماس” بهدف إقناعها باحتواء “مسيرة العودة”.

قوة المقاومة

وأظهر هذا قوة المقاومة وقوة الشعب الفلسطيني في اختراع اساليب مقاومة جديدة عبر مسيرات العودة، بما عمق المخاوف الأمريكية والإسرائيلية، ومخاوف السيسي من أن يفضي التصعيد في “مسيرة العودة”، بالتزامن مع نقل السفارة الأمريكية للقدس، إلى تصاعد للحرب والاضطرابات في المنطقة.

ولأن سوابق السيسي في دعم الاحتلال ضد المقاومة عام 2014، ولدغ الأنظمة الاستبدادية في مصر (مبارك عام 2008) للمقاومة عدة مرات وعدم صدقية وعود الاحتلال، معروفة فقد رفض قادة حماس العروض المصرية (الأمريكية الإسرائيلية) لتخفيف الحصار مقابل وقف المسيرات، واستفادوا من المسيرات في تحقيق مكاسب كبيرة.

فكلٌّ من نظام السيسي وسلطة محمود عباس في رام الله يلعب دورا محددا ترسمه تل ابيب وواشنطن هو “تجفيف بيئة المقاومة من خلال التعاون الأمني والسياسي بينهم وبين الاحتلال”، وبما يضمن تمكين تل أبيب من مواصلة مشروع الاحتلال بدون تكلفة مادية.

وكان من الواضح أن الاستدعاء المصري المتكرر لرئيس المكتب السياسي لحركة حماس وقادة الحركة يستهدف وقف مسيرة العودة؛ لأن هذه المسيرات أصبحت تؤرق واشنطن وتل ابيب، وبات الهدف هو إبرام صفقة بالضغط المصري الأمريكي تقوم علي وقف المسيرة المليونية وعدم تنفيذها مقابل تخفيف الحصار وفتح المعابر والرواتب.

وحرصت حركة حماس علي نفي نيتها وقف المسيرات، بل وتحدثت عن توسيعها في صورة زحف من كل حدب وصوب تجاه الأراضي المحتلة (إسرائيل)، وانطلاقها من غزة والأردن ولبنان والضفة.

سيناريوهات

تستهدف مسيرات العودة الكبرى كسر الحدود بكميات كبيرة من شباب غزة ومحاولات بث الفوضى في المدن الإسرائيلية الأقرب للحدود بمجموعات شبابية وبالتالي اجبار السكان اليهود علي ترك تلك المدن، ومن ثم خلق معادلة توازن جديدة بين غزة وإسرائيل على غرار ما يحاول حزب الله خلقه مع مدن الشمال الصهيونية.

لذلك خلفت هذه المسيرات عشرات الشهداء والجرحى بسبب إطلاق الجيش الصهيوني النار بغزارة في ظل تهديدات الاحتلال الكثيفة وإلقاء منشورات تهديد على غزة، واستدعاء قرابة 9 وحدات عسكرية منها وحدات قناصة للإصرار على عدم الاقتراب من السور الشائك الذي بناه الاحتلال، ولكن دون أن يوقف حالة زحف الشباب داخل الجانب الإسرائيلي من السلك الشائك باتجاه البلدات الإسرائيلية القريبة من الحدود.

وكان دور رسل السيسي لحماس هو نقل رسائل تهديد من القاهرة لحماس بأن المسيرات ستؤدي لحرب قادمة تعاني بعدها غزة، وهو ما أكده قادة حماس لاحقا بالقول إن “مصر لا تريد لمسيرة العودة وكسر الحصار أن تتدحرج إلى مواجهة مسلحة”، أي التحذير من مخاطر اندلاع حرب رابعة ولكن بصيغة تهديدية موجهة من إسرائيل والولايات المتحدة على لسان المخابرات المصرية.

ويبدو أن الهدف من الرسائل المصرية في الحالتين هو مبادلة وقف التصعيد من جانب حماس، ببعض الخطوات بشأن فك الحصار على غزة وفتح المعابر ورفع العقوبات المفروضة على غزة من حكومة رام الله (للرئيس عباس) المتعاونة مع الاحتلال.

نضال سلمي

وكانت الأهداف التي دفعت حماس لتطوير المواجهة مع الاحتلال عبر الحدود بابتكار جديد هو “مسيرات العودة السلمية”، وتحويل المواجهة إلى نوع من النضال السلمي (على غرار غاندي الهند ومانديلا جنوب إفريقيا)، والذي تحدث عنه اسماعيل هنية، هي كسر الحصار بطرق سلمية وإعادة الأضواء لمأساة غزة.

فقبل المسيرات ضاقت القيود على غزة، وأجهض الاحتلال عدة إنفاق، وعادت مسألة قطع الرواتب وتوقف محطات الطاقة، وزيادة الغضب الشعبي، وزاد بالمقابل التطبيع العربي (الخليجي تحديدا) مع إسرائيل والحديث السعودي عن عدم أولوية القضية.

وجاء فتح سفارة أمريكا في القدس ليبدو كأنه إسدال الستار على قضية فلسطين وعودة اللاجئين وانتهاء الحديث عن أي تسوية مقبلة.. لهذا كانت حماس قبيل مسيرة العودة الكبرى في مأزق كبير، بسبب قطع السلطة الفلسطينية الموارد والغاز والكهرباء، عن غزة ومشاركة الدول العربية في حصار القطاع سواء بمنع المساعدات أو زيادة التطبيع المجاني مع العدو الصهيوني، وتعيش في ازمة مالية وسياسية.

إنهاء الحصار

وجاءت فكرة مسيرات العودة كنوع من التفكير خارج الصندوق، وصنعت فارقا استراتيجيا بينها وبين الاحتلال ما اضطر دول عربية واجنبية كانت تهمل القطاع وتدعم مقاطعة حماس، للهرولة تجاه قادة حماس لتقديم طلبات بوقف المسيرات التي ترعب تل أبيب مقابل خطوات لرفع الحصار.

وباتت الآن حماس أقوى بفعل هذه المسيرات وترفض هذه الخطوات لرفع الحصار، وتطالب بالرفع الكامل، وهو ما أعلنه “هنية” بقوله: “هدف مسيرة العودة إنهاء الحصار كليًا عن قطاع غزة، ووضع شعبنا على السكة الصحيحة لوحدة وطنية حقيقية”.

فقد مكنت مسيرات العودة التي جرت على مدار أكثر من عام حتي الان، حركة حماس من فرض شروطها لوقفها، بعدما تحولت إلى مسيرات لكل شعب فلسطين لا حركة حماس فقط، ونجحت في تعبئة الداخل الفلسطيني والخارج العربي والإسلامي، وبثت الرعب في قلوب الصهاينة، بأن ضغطت على نقطة ضعفهم العسكرية القاتلة وهي قلة وضعف الموارد البشرية عند الكيان الصهيوني.

لهذا يتوقع أن تستمر حماس في استثمار نتائج هذا السلاح السلمي “النضال السلمي الشعبي”، بما يفوت على الاحتلال استخدام السلاح ضد غزة بشكل واسع وعدم استخدام السلاح إلا لو هاجم الصهاينة غزة على نطاق واسع وجري غزوها، وبعدما وصلت إلى قوة ردع السلاح تقريبا مع العدو عبر انتاج صواريخ تصل حيفا وتل أبيب.

فقوة السلاح هنا في ردعه للاحتلال وليس في استخدامه والقوة في امتلاك المقاومة للسلاح القادر على الرد وليس في استخدامه، خاصة أن الكيان الصهيوني يمتلك ترسانة أسلحة أقوى وأحدث، ومخزون لا ينضب متصل بمخازن حلفائه، بينما قدرة حماس علي امتلاك مزيد من السلاح ضعيفة، ومخزون أسلحتها محدود، وليس من الحكمة العسكرية استخدامه في مواجهة متعجلة وخسارة قوة ردع هامة.

خلاص الأمر أن “حماس باتت مدركة لأبعاد الصراع جيدًا، وتلعب باحترافية عالية، وتستخدم مواردها وظروفها المحيطة بأعلى جودة ممكنة”، ونجح تكتيك حماس في جلب اللعنات على الاحتلال رغم استمرار قوافل شهداء المسيرات.

Facebook Comments