كلَّف الرئيس التونسي قيس سعيّد، الوزير السابق إلياس الفخفاخ بتشكيل الحكومة الجديدة، لينهي بذلك جدلًا وتكهنات بعد فشل رئيس الحكومة المرشح من قبل حركة النهضة الحبيب الجملي في نيل ثقة البرلمان؛ بسبب ما قيل إنه تدخل إماراتي بالرشاوى والرز.

وقبيل انتهاء المهلة الدستورية بساعات، أعلنت الرئاسة التونسية عن تكليف الفخفاخ من بين عشرات المرشحين الذين قدمت الأحزاب الممثلة في البرلمان أسماءهم لرئاسة الجمهورية. وكان الفخاخ مرشحًا رئاسيًّا ومنافسًا للرئيس قيس سعيد، وهو ما يعكس حالة النضج السياسي في التجربة التونسية.

وبالمقارنة، نجد فرقًا شاسعًا مِثْل ما بين السماء والأرض، بين سلوك الرئيس التونسي المنتخب مع منافسيه، وبين السفيه السيسي وغدره بالرئيس الشهيد محمد مرسي، أول رئيس منتخب ديمقراطيا في تاريخ مصر، والذي طالب بالكشف الطبي عشرات المرات في محبسه، وأكد تعرضه لمحاولات اغتيال؛ منها دس “السُّم في الطعام”، ومنعه من تلقي العلاج من قبل إدارة السجن، وعدم مراعاة حالته الصحية طوال مدة سجنه التي امتدت لـ6 سنوات، إلى أن تدهورت حالته الصحية بشكل سريع، ودخل في غيبوبة أثناء المحاكمة في القاهرة، ليفارق الحياة يوم 17 يونيو 2019.

ديمقراطية تونس

وبمثل هذا السلوك السياسي الوطني المتسامح النزيه، تُقدم تونس معنى إضافيًا جديدًا مهمًّا في ديمقراطيتها الناشئة. في العادة في بلدان العالم الثالث غير الديمقراطية، فإن الرئيس الفائز بالانتخابات، وهي شكلية، يعتقل، أو يُشرد المنافسين، أو يفرض العزلة والتعتيم التام عليهم، فلا يجب أن يبقى منافسا له في الصورة.

ويتناقض النموذج التونسي في الديمقراطية مع نموذج الانقلاب في مصر، إذ وبطريقة يشوبها الحذر والهدوء، تمارس سلطات العسكر جرائم باتت تعرف بـ”الاغتيالات الصامتة” ضد السجناء والخصوم السياسيين للسفيه السيسي، معظمهم ينتمون إلى جماعة الإخوان المسلمين، وعلى الأغلب لن يكون الرئيس الشهيد محمد مرسي آخرهم.

ومنذ غدر السفيه السيسي بالرئيس مرسي في يونيو 2013، أودعت عصابة الانقلاب عشرات الآلاف من المعتقلين بالسجون على ذمة التحقيق في قضايا مزعومة، لكن المثير أن هؤلاء المعتقلين يفارقون الحياة بطرق شغلت الرأي العام في السنوات الأخيرة، وسط تحفُّظ شديد من السلطات القضائية والأمنية على ملفاتهم وتقارير موتهم، و”الجرائم الصامتة” التي يتعرض لها السجناء.

ومنذ العام 2013، تتهم العديد من المنظمات الحقوقية العالمية القضاء والقوات الأمنية بانتهاكات واسعة لحقوق الإنسان، منها القتل العمد وممارسة التعذيب ضد المعتقلين والتصفيات الجسدية ضد المناوئين والمعارضين لحكومة السفيه السيسي، بطرق تُخفي أيًّا من معالم الجريمة.

دس السُّم

ومن الطرق التي اعتمدها السفيه السيسي لتصفية رموز المعارضة، خصوصا “قيادات جماعة الإخوان المسلمين”، وسيلة “الإهمال الطبي أو الصحي”، و”دس السُّم” في الطعام أو منع العلاجات الضرورية، وبعد ذلك يبقى السجين من دون رعاية صحية إلى أن يلقى حتفه، من دون إطلاع أسرة المتوفى على التقارير الطبية التي يمكن من خلالها معرفة أسباب الإصابة أو المرض أو تلقي العلاج داخل المستشفيات الحكومية، بأوامر تصدرها قوات الأمن والمخابرات.

منظمة “هيومن رايتس ووتش” لحقوق الإنسان أصدرت تقريرا تحت عنوان: “مصر.. موجة من الوفيات داخل السجون”، قالت فيه إنها سجلت وفاة 95 معتقلاً في زنازين أقسام الشرطة في العام 2014 فقط بزيادة 40% عن العام 2013.

وأكدت المنظمة أن المعتقلين يتعرضون للضرب حتى الموت داخل السجون، بخلاف حالات وفاة أخرى لمعتقلين مصابين بأمراض منها القلب والسرطان، ورُفض علاجهم، وسط تردي الخدمات الصحية داخل السجون.

وتتواصل حملة حقوقية جديدة أطلقها نشطاء مصريون، للتضامن مع معتقلي سجن العقرب جنوبي القاهرة، المعروف بـ”جوانتانمو مصر”، وللمطالبة بالدفء للمعتقلين تحت شعار “البرد قرصة عقرب”.

وعبر هاشتاج باسم الحملة #البرد_قرصة_عقرب، دوّن مئات المعتقلين السابقين وأسر السجناء الحاليين بالإضافة إلى محامين عن التعذيب والبرد القارس، الذي أدى إلى وفاة اثنين من المعتقلين في السجون، خلال الأسبوع الماضي.

وفي الثامن من يناير الجاري، توفي المعتقل علاء الدين سعد (56 عامًا) من جراء البرد في سجن برج العرب بالإسكندرية، بعد إصابته بنزلة برد شديدة أهملت إدارة السجن علاجها.

Facebook Comments