في الوقت الذي تُسابق فيه إثيوبيا الزمن لإنجاز سد النهضة، الذي يحول نهر النيل لمجرد ترعة، وسط عجز كامل من إدارة السيسي في تعطيل أو إبطاء معدلات الإنجاز في السد، تتضح الكثير من الخفايا حول كوارث السياسة الخارجية المصرية بعهد السيسي.

وليس آخرها سد النهضة وما جرى فيه، بل الخيانات الكبرى المتحكمة في سياسات مصر تجاه القضية الفلسطينية والقضايا العربية.

ولعل أبرز الكوارث التي تسبب بها الانقلاب العسكري، هو إسراع السيسي في عام 2015 لتوقيع اتفاق المبادئ مع إثيوبيا؛ لنيل شرعية إفريقية بعد تعليق عضوية مصر بالاتحاد الإفريقي.

وكذلك امتناع حكومة السيسي عن استخدام حق مصر في التحكيم الدولي، لوقف الإنشاءات بالسد لحين حسم الملفات الفنية، التي ما زالت معلقة حتى الآن.

حنكة مرسي

وعلى عكس الصورة التي رسمها الانقلابيون عن الرئيس مرسي، وتسريبهم لقاء نظمته الرئاسة وقت حكم الرئيس مرسي، وتصوير المجتمعين بأنهم مجرد مهرجين وغير متخصصين، كشف أحد مسئولي الفريق الرئاسي الذي عمل مع الدكتور محمد مرسي، في تصريحات صحفية اليوم، عن أن الرئيس مرسي شكَّل لجنة مشتركة لمتابعة ملف السد، ترأسها عصام الحداد، مساعد الرئيس للشئون الخارجية، مؤكدا أن المخابرات العامة ووزارة الخارجية لديهما معلومات وتصورات قيمة للتعامل مع قضية السد، ولكن على ألا يتحمل أي طرف منهما المسئولية.

وكشف المسئول الذي كان عضوا باللجنة التي شكَّلها مرسي، عن أن اجتماعات اللجنة شهدت خلافات مع ممثل وزارة الدفاع، والتي كان يمثلها وقتها اللواء محمود حجازي، مدير المخابرات الحربية ورئيس الأركان في عهد السيسي، حيث رفض بشكل قاطع تدخل وزارة الدفاع في أي حل يمكن أن يؤدي إلى مواجهة عسكرية.

وطبقا للمسئول الرئاسي، فإن حجازي قال إن الجيش المصري مُنهك، وإثيوبيا مستعدة لمواجهة أي خطوة عسكرية، وهناك دول سوف تقف معها ضد مصر، بينما كانت الخارجية ترى أنه يجب ألا توضع القضية كلها على عاتق “الخارجية”، وكذلك تهربَّت باقي الجهات من المسئولية.

وعلَّق المسئول الرئاسي على موقف وزارة الدفاع، بأنها لم تكن راغبة في دعم الدكتور مرسي إذا اتخذ قرارًا بعيدا عن الدبلوماسية لعدة أسباب: منها وقف أي محاولة لكسب الدكتور مرسي شعبية، والثاني وهو الأخطر أن القدرات العسكرية للجيش كانت محل نظر، وهو ما عبَّر عنه حجازي بأن الجيش “مُنهك”، موضحا أن وزارتي الخارجية والري كانت لديهما رغبة في تنفيذ الحلول التي يمكن التوصل إليها، بينما وزارة الدفاع كانت رافضة بشكل قطعي، في حين وقفت المخابرات في منتصف الطريق بين الجانبين.

يشار إلى أن خمس جهات بمصر معنية بملف نهر النيل من المنبع حتى المصب، وهي: رئاسة الجمهورية، والمخابرات، ووزارات الخارجية والدفاع والري.

وبذلك يتضح للعيان كيف تلاعبت أجهزة الدولة العميقة بمصير ومستقبل مصر، على حساب الشعب ومقدراته؛ نكاية في الرئيس مرسي ولصالح عبد الفتاح السيسي.

سياسات خاطئة

وعلى الرغم من زيارة السيسي لإثيوبيا، اليوم، وحضوره اجتماعات القمة الإفريقية،
وزيارة رئيس الوزراء الإثيوبي مؤخرا للقاهرة، منهيًا أي احتمالات لردود عسكرية مصرية لإجهاض إنشاءات السد المتسارعة، تتواصل مهاترات نظام السيسي في إدارة ملفات السياسات الخارجية، ومنها الإجراءات التي اتخذتها إدارة السيسي في التعامل مع إثيوبيا، والتي زادت التوتر الموجود بين البلدين في الأساس، ومنها توطيد العلاقات مع إريتريا، ودعم المعارضة الإثيوبية من الأورومو والأمهرة الموجودة في إريتريا، والتواصل المقلق مع قبائل بني شنقول في إثيوبيا، والتي يقع السد في نطاقها لإحداث قلاقل في أديس أبابا، كما دعم السيسي متمردي دارفور وجنوب السودان، ما جعل الخرطوم تبتعد عن مصر، وتتبنّى الرواية الإثيوبية بعدم وجود آثار سلبية للسد. وهكذا تدفع مصر ثمن انقلاب السيسي غاليًا من مقدراتها، باقتطاع حصتها من مياه النيل.

Facebook Comments