كشفت صحيفة “الأخبار اللبنانية” عن توجه قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي إلى طلب دعم الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، لعقد قمة ثلاثية في واشنطن، الشهر المقبل، من أجل حلّ أزمة “سدّ النهضة”، وذلك بعد يوم واحد فقط من وصول المفاوضات إلى طريق مسدود.

ودخلت مصر وإثيوبيا في سجال جديد بعد تعثر مفاوضات النهضة في جولتها الرابعة والأخيرة التي استضافتها العاصمة الإثيوبية، أديس أبابا، على مدار يومين، ولم تتوصّل إلى صيغة تُرضي البلدين حول الكميات المنصرفة من بحيرة السدّ التي تنوي أديس أبابا بدء تخزين المياه فيها الصيف المقبل، في الوقت الذي انتقد فيه الإثيوبيون الموقف المصري، ورأوا أن مقترحات القاهرة “غير مقبولة ولا يمكن تنفيذها”.

إثيوبيا توضح سبب الفشل

فى المقابل، أعلنت السلطات الإثيوبية عن أن سبب فشل المحادثات الجارية مع مصر والسودان حول سد النهضة “الإشارة السلبية” لمصر والعرض الذي قدمته فيما يتعلق بشروط تعبأة الشد خلال جولة المحادثات الأخيرة.

ووفقًا لما نقلته وكالة الأنباء الإثيوبية الرسمية، قال وزير المياه والري والطاقة الإثيوبي، سيليشي بيكيك: “مصر قدمت رؤيتها الخاصة بخطة التعبئة (لسد النهضة) ووفدها أصر على قبول كامل العرض المقدم مانعا التوصل إلى اتفاق”.

ووصف الوزير الإثيوبي العرض المصري بـ”غير العادل”، قائلا: إن العرض المصري يطالب بـ12-21 عاما كوقت تعبئة، وهو أمر “غير مقبول بتاتا” من الجانب الإثيوبي.

تعنت واضح

كانت خارجية الانقلاب المصرية قد أصدرت بيانا، قالت فيه إن المفاوضات كشفت عن “تعنت إثيوبيا وتبنيها لمواقف مغالى فيها”، كما اعتبرت أنها “تكشف عن نية أديس أبابا في فرض الأمر الواقع”.

وأضافت أن “البيان الإثيوبي قدم صورة منافية تماما لمسار المفاوضات ولمواقف مصر وأطروحاتها الفنية ولواقع ما دار في هذا الاجتماع وفي الاجتماعات الوزارية الثلاثة التي سبقته والتي عقدت على مدار الشهرين الماضيين”.

مضيفة أن هذا “يخالف التزامات إثيوبيا القانونية وفق المعاهدات والأعراف الدولية”. واعتبروا أن رفض إثيوبيا تصريف الإيراد الطبيعي أثناء تشغيل النهضة يرجع إلى نيتها توظيف السدّ الذي يستهدف فقط توليد الكهرباء لإطلاق يدها في مشروعات مستقبلية، واستغلال موارد النيل الأزرق بحرية تامة.

كما نفت أن تكون هناك مطالب مصرية بملء السدّ خلال 21 عاما، مشيرة إلى أنها لم تُحدّد عدد السنوات لملء النهضة، خاصة مع “اتفاق الدول الثلاث منذ أكثر من عام على الملء على مراحل تعتمد سرعة تنفيذها على الإيراد السنوي للنيل”، وهو ما يعني عمليًّا ست سنوات أو سبعًا إذا كان إيراد النهر متوسطا أو فوق المتوسط. وعند الجفاف، يُمكّن الطرح المصري “النهضة” من توليد 80% من قدرته الإنتاجية من الكهرباء، ما يعني تحمّل الجانب الإثيوبي أعباء الجفاف بنسبة قليلة.

وبحسب تقارير دولية رسمية، من المقرّر أن تنطلق اجتماعات جديدة في واشنطن بعد غد ليومين بعد طلب عبد الفتاح السيسي ذلك رسميًا من إدارة ترامب لإنقاذه من الغرق بعد فشل المباحثات، وذلك بمشاركة وزراء خارجية الدول الثلاث، إلى جانب وزراء الريّ، ووزير الخزانة الأمريكية، فيما تدرس مصر طلب عقد قمة على مستوى الرؤساء قبيل اللجوء إلى التحكيم الدولي. ووفق مصادر مصرية، فإن اجتماعًا واتصالات حاسمة تجري بين جهات مختلفة في الدولة، تقترح طلب عقد القمة في واشنطن الشهر المقبل (فبراير) في حدّ أقصى.

خيارات مصر بعد فشل المفاوضات

فى سياق ذي صلة، طرح موقع هيئة الإذاعة البريطانية “بى بى سى” تصورًا لخيارات مصر بعد فشل المفاوضات الأخيرة في إثيوبيا.

وقالت: كثيرون يتساءلون عن الخيارات المتاحة أمام مصر في ظل عدم التوصل حتى الآن إلى اتفاق يهدئ من المخاوف المصرية من الآثار المترتبة على بناء السد الإثيوبي.

وينص الاتفاق الإطاري بين مصر والسودان وإثيوبيا، الموقع في الخرطوم في مارس 2015، على أنه “في حال تعثر المفاوضات يمكن اللجوء إلى الوساطة”. وقد استضافت العاصمة الأمريكية واشنطن في نوفمبر الماضي مفاوضات بوساطة من البنك الدولي ووزارة الخزانة الأمريكية، بين دول حوض النيل الثلاث.

ووفقا لتصريحات محمود أبو زيد، وزير الري الأسبق وخبير المياه الدولي، فإن خطوات مصر القانونية لحل قضية سد النهضة محددة وواضحة، تبدأ بمباحثات، وإذا ما تعثرت يتم اللجوء لوسيط، وإذا ما فشلت هذه الخطوة يتم اللجوء إلى الهيئات الدولية، وأخيرا الذهاب إلى محكمة العدل الدولية.

ويشير عطية عيسوي، خبير الشئون الإفريقية بمركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية، إلى ضرورة إبرام اتفاق جديد حول فكرة اللجوء للتحكيم الدولي، “إذ لم ينص اتفاق الخرطوم الإطاري على التحكيم الدولي” من الأساس.

فيما يرى البعض وفق تقرير “بى بى سى”، أن واشنطن قد تستخدم أوراق الضغط التي تمتلكها بهدف دفع الأطراف الثلاثة لتقديم تنازلات مقبولة من أجل التوصل لاتفاق يرضي الجميع. ويتوقع هؤلاء أن تستمر واشنطن في الضغط على الأطراف المعنية بهدف الإبقاء على مسار التفاوض السلمي وعدم اللجوء إلى لغة القوة أو التهديد.

العودة لاتفاقية “عنتيبي”

من بين الخيارات المتاحة إعلان كل من مصر والسودان الانسحاب من الاتفاق الإطاري، وهو الإعلان الذي يعطي المشروعية لإثيوبيا لبناء السد.

ومن بين الخيارات المتاحة أيضا أمام الجانب المصري اللجوء إلى اتفاقية عنتيبي، وهي اتفاقية إطارية موقعة بين بعض دول حوض نهر النيل في أوغندا عام 2010، والموقعة من دول: إثيوبيا وكينيا وأوغندا ورواندا وتنزانيا، وانضمت إليها بورندي في عام 2011 ، لكنها لم تدخل بعد حيز التنفيذ الفعلي.

الخيار العسكري

ويشير تقرير “بي بي سي” إلى أن مصر تستبعد على ما يبدو اللجوء إلى الخيار العسكري كحل للأزمة. وقد استبعد عبد الفتاح السيسي في أكثر من مناسبة اللجوء إلى الخيار العسكري، مشيرا إلى أن مصر تعول دائما على الحلول السلمية والدبلوماسية لمشكلة سد النهضة.

ووفقا لضياء القوصي، خبير شئون المياه ومستشار وزير الري السابق، فإن “مصر تستطيع الاعتماد على مخزون بحيرة ناصر لمدة 3 سنوات متصلة”.

ويضيق الخيار العسكري أمام مصر كثيرا، على ضوء عدم اتفاق المجتمع الدولي ومؤسسات التمويل الدولية على اللجوء لخيار القوة، لحل المشكلات الإقليمية والدولية، كما يصعب على مصر إقناع الأمم المتحدة بالضرر الفادح الذي قد يهدد البلاد جراء بناء السد.

Facebook Comments