جاءت زيارة رئيس الانقلاب عبدالفتاح السيسي لجنوب السودان صباح السبت 28 نوفمبر 2020م، في وقت حساس؛ إذ تمر إثيوبيا بحالة من الاحتراب الأهلي في أعقاب شن الجيش عملية عسكرية موسعة ضد "جبهة تحرير شعب تيجراي"، كما تمر المفاوضات  الخاصة بسد النهضة بجمود متواصل منذ سنوات على وقع الفشل المستمر الذي يلازم مسار التفاوض منذ البداية رغم المسكنات التي أطلقها رئيس الانقلاب وثبت أنها كان انعكاسا لحالة يأس أكثر منها أملا في مسار التفاوض.
وناقش رئيس الانقلاب مع نظيره في جنوب السودان سلفا كير ميارديت، آخر المستجدات في ما يتعلق بمفاوضات سد النهضة، وجرى التوافق حول أهمية التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم ومتوازن حول ملء وتشغيل السدّ، مع تعزيز التعاون بين دول حوض النيل على نحو يُحقق المصالح المشتركة لشعوب دوله كافة، وتجنب الإضرار بأي طرف.

توقيت مهم

الزيارة التي استمرت ليوم واحد،  تأتي في توقيت بالغ الدقة، وتنظر إليها أديس أبابا بعين الشك والريبة؛ في ظل توجه الحكومة الإثيوبية نحو اتهام جبهة تحرير شعب تيجراي بالعمالة للنظام المصري وضرب اقتصاد إثيوبيا؛ ومشروع "سد النهضة"، في إطار التوظيف السياسي للتحركات الإقليمية بما يخدم على أهداف وتوجهات آبي أحمد الذي يبدي إصرارا وعنادا كبيرا على القضاء على جبهة تحرير شعب تيجراي التي ظلت لنحو ثلاثة عقود تقود التحالف الحكومي في البلاد وكان زعيم الجبهة ميليس زيناوي هو مهندس مشروع السد والذي حكم البلاد لعشرين سنة من 1991/ 2012م ثم دخلت البلاد في فوضى كبيرة بعد وفاته.
وتشير تقارير إعلامية إلى  أن الهدف من الزيارة أمران: الأول هو بحث إعادة إحياء مشروع قناة جونجلي المتوقف. ويبحث السيسي مع حكومتي السودان وجنوب السودان إعادة إحياء مشروع قناة جونقلي المتوقف، في إطار الحلول الرامية لتقليل الآثار السلبية المترتبة على حصص مصر والسودان من مياه النيل، جراء التعنت الإثيوبي بشأن المخاوف المصرية والسودانية. وكان رئيس جهاز المخابرات عباس كامل قد زار جنوب السودان قبل شهور لنفس السبب في ظل تكتم شديد على محتوى المشاورات والمباحثات بين الأطراف.

تنسيق أمني

والثاني، هو بحث التعاون والتنسيق الأمني بين القاهرة وجوبا. وقبل شهور كانت أديس أبابا أبدت احتجاجا كبيرا على الأنباء الذي أكدت سعي القاهرة نحو إقامة قاعدة عسكرية في جنوب السودان قرب الحدود مع سد النهضة الإثيوبي. ويبحث رئيس الانقلاب مع جنوب السودان التوافق على شكل وحجم الوجود الأمني المصري ومدى تطويره نحو إقامة قاعدة عسكرية، في ظل وجود عسكري مصري ضمن اتفاقات مبرمة بين الجانبين تتعلق بدور تدريبي للقوات المصرية للقوات الجنوب سودانية ومدها بالأسلحة  الخفيفة والزي العسكري، وهيكلة الجيش الجنوب سوداني ودمج المليشيات المسلحة في القوات النظامية.
وربما يخشى نظام السيسي من  خسارة الدعم الجنوب السوداني لموقف القاهرة في أزمة سد النهضة، بعدما خسرت إريتريا بعدما أقدم آبي أحمد رئيس الحكومة الإثيوبية على إقامة اتفاق سلام مع الجارة إريتريا سنة 2018م بعد عقود من الحرب المستمرة بين البلدين.

قناة جونجلي

يذكر أن مشروع قناة جونجلي يقع على نهر الجبل بدولة جنوب السودان، والذي توقف العمل به عام 1983 بسبب الحرب الأهلية التي اندلعت وقتها بين الحكومة السودانية و"الحركة الشعبية لتحرير السودان" بقيادة جون قرنق، بعد حفر 260 كيلومتراً من إجمالي 360 كيلومتراً.
وبدأ الحديث حول حفر قناة جونجلي عام 1983 بموجب اتفاق المحاصصة الخاص بمياه النيل بين مصر والسودان الموقع عام 1958. وجرت على ضوء ذلك دراسات وبحوث مكثفة ليتوصل البلدان إلى خطة عمل تهدف للاستفادة من المياه الضائعة في منطقة السدود ومستنقعات بحر الجبل (جزء من نهر النيل بجنوب السودان). وأوصت الدراسات بأهمية حفر قناة تستوعب المياه الزائدة من المستنقعات وكميات المياه التي كانت تتبخر سنوياً من دون الاستفادة منها، وذلك بحفر خط مائي يربط بين منبع القناة بولاية جونجلي حتى المصب عند فم نهر السوباط بالقرب من مدينة ملكال بجنوب السودان.
ونصّ الاتفاق بين البلدين على أن يتعاونا معاً في إنشاء مشاريع زيادة إيرادات النيل بمنع الضائع من مياه حوض النيل، على أن يقسم صافي فائدة هذه المشاريع على الدولتين بالمناصفة، ويسهم كل منهما في تكلفة تلك المشاريع وفوائدها.
وبعد محاولات عدة لبحث الخيارات الأفضل لشق القناة، اتفق القائمون على المشروع من الخبراء والمختصين على أن يمتد الخط من مدينة بور حاضرة بولاية جونقلي إلى ملكال بطول 360 كيلومتراً. وبالفعل بدأ شق القناة بين مصر والسودان عقب حرب أكتوبر1973، وتحديداً في عام 1974، بهدف توفير المياه الضائعة في المستنقعات، وذلك بزيادة إيرادات المياه لنهر النيل بنحو 55 مليون متر مكعب.

وتم حتى الآن تنفيذ الجزء الأكبر من مشروع القناة بحفر 260 كيلومتراً بواسطة شركتين فرنسيتين، ولكن العمل توقف عند قرية الكونقر نتيجة نشوب الحرب الأهلية في جنوب السودان. في حين لجأت الشركتان الفرنسيتان بعد توقف المشروع إلى التحكيم الدولي ضد حكومة السودان، بحكم أن منطقة المشروع تقع في أراضي الأخير حتى استقلال دولة جنوب السودان في 2011. وأصدرت هيئة التحكيم حكماً لصالح الشركتين الفرنسيتين بإلزام الحكومة السودانية ممثلة في وزارة الري السودانية، باعتبارها الطرف المتعاقد، بدفع تعويض لهما. وبالفعل استمرت مصر والسودان في دفع تعويضات للشركتين الفرنسيتين حتى عام 2000 بإجمالي مبالغ تقدر بنحو 75 مليون دولار.

Facebook Comments