في زمنٍ أجمل من هذا، وفي عصر أكثر عقلانيةً، سيتوقف باحثون ومفكرون أحرارٌ أمام ظاهرة الولع باللعب في المياه، لدى طاغية حكم مصر في أيام حالكة العبث، اسمه عبد الفتاح السيسي.

منذ اعتلى الحكم، محمولًا على مشروع إقليمي معادٍ للحرية وللتغيير في مصر، والسيسي يلهو بالمياه، فيدشّن عصره بحفر تفريعة، أطلق عليها “قناة سويس جديدة”، ابتلعت مدخرات المصريين، بعد أن وعدهم بعوائد وأرباح تنقلهم إلى عالم الثراء، إذا وضعوا أموالهم في “بنك الحفرة”.

تلك الحفرة التي قالوا إنها ستجعل الأموال تجري أنهارًا في خزينة مصر، وتضاعف إيرادات القناة بما ينعش ميزانية البلاد، ويعفيها من سؤال المانحين، حكوماتٍ ومؤسسات دولية، إلحافًا وتسولًا ورهنًا لمستقبل أجيالٍ لم تأت بعد.. والنتيجة أن الديْنين، الخارجي والداخلي، ارتفعا بأرقام مفزعة، حتى لامسا سقف الجنون، وذروة الكارثة.

الآن، تستبد لوثة اللعب في المياه بالجنرال السيسي ليقرّر، كما معمر القذافي، حفر نهر أخضر في عاصمته الجديدة التي يسميها إدارية، والتي أنشأها في فوهة الخطر، لتلامس حدود مدينة السويس، وتقترب من سيناء، أرض المواجهة الدائمة مع العدو الوحيد، ومن ثم تكون عاصمة البلاد في متناول يد العدو، إن قرّر الحرب في زمن ما.

في مشروع حفرة قناة السويس، كان السيسي وأعوانه يغرقون الأرض، ويسدّون عين الشمس، بكلامٍ كثير عن دراسات الجدوى الخاصة بالمشروع، وكيف أنه مدروسٌ بعنايةٍ تامة، ما يضمن له استرجاع ما تم إنفاقه عليه مع بدء التشغيل.

جاء التشغيل، ولم تأت طفرة الأرباح، بل تراجعت الإيرادات، واكتشف الذين أوْدعوا شقاء أعمارهم للاستثمار في التفريعة أنهم لم يحصدوا إلا وهمًا، ليظهر لهم السيسي، أخيرا، وهو يسفّه ويسخر من علم دراسات الجدوى، ويعلن أن الارتكان إلى دراسات الجدوى يعطّل الإنجاز، ويخنق فرص النجاح. ولذلك قرّر أن يكون وحده صانع الأفكار ومنفذها والقيم عليها.

في لهوه بالمياه، أيضًا، أهدر السيسي، بكل بسالةٍ وإقدام، حقوق مصر في نهر النيل، ودخل في مفاوضاتٍ ساخرة مع إثيوبيا ودول الحوض، انتهت بأن نفذت أديس أبابا سد النهضة، بعد أن وقف جنرال المتاهة، في مشهد مسرحي بائس، يطلب خلاله من رئيس الوزراء الإثيوبي أن يحلف بالله إنه لن يقوم بأي ضررٍ للمياه في مصر.

بعدها، مباشرة، منع السيسي زراعة الحاصلات المستهلكة للمياه، وعلى رأسها الأرز، لتبور الأراضي، ولا تجد ما يرويها إلا دموع فلاحين جثموا عليها يبكون الخراب، لتكتمل المأساة بإعلان الزعيم المائي عن نهره الأخضر الذي ينتوي مدّه إلى عاصمته الإدارية، القريبة من الكيان الصهيوني، ليثور السؤال:لمن يحفر النهر؟.

تنتقل تراجيديا العبث المائي من النيل وقناة السويس إلى مياه حقول الغاز في شرق البحر المتوسط، لتحمل أمواجها الكيان الصهيوني إلى قلب القاهرة، في خطوةٍ هي الأوسع منذ “كامب ديفيد”، إذ يحضر وزير الطاقة الإسرائيلي، شريكًا وحليفًا، في محور يضم عرب التطبيع، تتجاوز أهدافه التعاون في الطاقة، إلى التكتل السياسي والاقتصادي بمواجهة تركيا.

يجعل هذا المشهد الأخير من غير الممكن الفصل بين عبث السيسي بالمياه والهوس الصهيوني بمياه النيل، وهو الهوس الساكن في بؤرة العقيدة الصهيونية على مر العصور، حلمًا بالامتداد من النهر إلى البحر، وهو الاشتباك الذي يُضفي عليه أحد صقور المطبعين الأوائل في مصر، وواحد من كتاب نظام السيسي الأشداء، هو عبد المنعم سعيد، يضفي عليه مزيدًا من الإثارة، حين يصف السيسي في مقاله الأخير في صحيفة “المصري اليوم” بأنه “الذى أخذ بنا على الطريق من النهر إلى البحر”.

فعلًا، لقد أخذ السيسي بكم على الطريق إلى تحقيق الحلم الصهيوني، فهنيئًا لكم، ولا عزاء لمن يختصر الخلاف مع السيسي في حكايةٍ طريفةٍ ومسليةٍ اسمها “معركة التعديلات الدستورية”، وفي هذا نواصل لاحقًا.

نقلا عن العربي الجديد

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

Facebook Comments