يجلس محمد حمدان دقلو (حميدتي) في قصر الاتحادية في القاهرة، مرتديا حلة عسكرية مرصّعة برتبة الفريق، يتجاذب أطراف الحديث مع عبد الفتاح السيسي الذي قفز من رتبة اللواء إلى المشير في غضون عام، مارًا بسرعة على رتبي فريق وفريق أول، فيما كان الزمن غافلًا أو منشغلًا بأمور أخرى.

صورة حميدتي مع السيسي هي الأكثر إهانة لتاريخ العسكرية، إذ لم يمر هذا الملقب “الفريق” ولو لربع ساعة على مدرسة أو كلية عسكرية، فكل خبرته في الحياة كانت الركض وراء الدواب (إبل وحمير) في الفيافي، حتى التقطه الجنرال عمر البشير، إبّان ارتكابه جرائم حرب في دارفور، ليضع السلاح في أيديه، ويطلقه زعيمًا لمليشيا من الرعاة تنفذ له مذابح جماعية وفظائع إبادة وتطهير عرقي، ضد سكان إقليم دارفور.

يظهر حميدتي في بورتريه منشور في”العربي الجديد” بتاريخ 10 مارس/ آذار 2017 على الوجه الآتي: ينحدر قائد قوات الدعم السريع في السودان “الجنجويد”، محمد حمدان دلقو، المشهور باسم حميدتي (41 عاماً)، من قبيلة الرزيقات، وهو عمل في تجارة الإبل والقماش بين دارفور وليبيا ودارفور ومصر حتى اندلاع الحرب في إقليم دارفور عام 2003. لم ينجح في إكمال تعليمه، وأظهر ميوله التجارية منذ الصغر، ودخل في المجال التجاري منذ العام 1991.

ومع اندلاع شرارة الحرب في دارفور، انضم حميدتي للقتال إلى جانب الحكومة السودانية التي استنفرت وقتها القبائل العربية لقتال التمرّد، وعملت على تسليحها، ومثّلت قبيلة الرزيقات أكبر القبائل التي تحالفت مع الحكومة، وشاركت في حرب دارفور إلى جانبها.

جُنّد حميدتي في القوات المسلحة، وأصبح ضمن حرس الحدود، وتمت ترقيته من قِبل الرئيس السوداني عمر البشير إلى رتبة لواء في الجيش، وهي ضمن الرتب المقتصرة على ضباط الجيش ممن دخلوا الكلية العسكرية، كما أن عمره لم يكن يؤهله للوصول لتلك الرتبة، الأمر الذي اعتُبر ميزة تفضيلية واستثنائية للرجل.

انسحب حميدتي مرتين من القتال لصالح الحكومة، واعتصم مع قواته في دارفور، وحاول الانضمام إلى قوات التمرد، بعد خلافاتٍ مع الجيش تتصل بتقنين أوضاع قواته، وأخرى مع الحكومة التي تعاملت مع قوات الردع السريع في وقت من الأوقات بفظاظة بعد انتهاكات ارتكبتها وثار الرأي العام المحلي والدولي عليها”.

انتهى الاقتباس ولم تنته رسائل صورة حميدتي الذي استقبله السيسي استقبال الرؤساء في قصر الاتحادية، حيث اتفق الطرفان على تسليم الهاربين من جحيم انقلاب السيسي إلى السودان، قبل أن تتدهور الأوضاع في البلد الشقيق إلى نسخةٍ مكررة من السيناريو المصري، ثورة شعب ينقضّ عليها الجنرالات، ويحولونها انقلابًا منخفض التكاليف، مدعومًا ومموّلًا من محور قتلة الثورات العربية.

لا أعلم ما هو شعور عسكري حقيقي، سابق أو حالي، خاض حروبًا ومارس العسكرية في ميادينها الحقيقية، وهو يطالع صور لقاء شخصين، أحدهما مقطوع الصلة تمامًا، عمليًا ونظريًا، بالعسكرية، والآخر لم يشارك في حربٍ طوال حياته، إلا حربه على المدنيين في ميدان رابعة العدوية وسيناء.

أغلب الظن أن أي شخص يعرف معنى الجيوش ودورها الحقيقي في حماية تراب الأوطان، سيشعر بالأسى على ما آلت إليه العسكرية العربية، إذ تستدعي هذه اللقطة على الفور صورة الفريق عبد الرحمن سوار الذهب، القائد العسكري الحقيقي في السودان، والذي حفظ للعسكرية شرفها، ورفض أن يلوّثها بدماء التآمر على مصير الشعب السوداني، وسعيه هذا الشعب المشروع إلى تحقيق الحكم المدني الديمقراطي.

تقول لنا ذاكرة الأيام إنه بعد انتفاضة الشعب السوداني في أبريل/ نيسان 1985 التي أطاحت حكم جعفر نميري، تولى الجنرال سوار الذهب رئاسة المجلس العسكري الانتقالي، ورقي إلى رتبة المشير، متعهدًا، بعد تسلمه السلطة، بتسليمها خلال عام واحد فقط لحكومة منتخبة، وهو ما تحقق بالفعل، حيث انتقل الحكم إلى المدنيين، وتولى الصادق المهدي رئاسة الحكومة، حتى وقع انقلاب عمر البشير في 1989.

تسخر منا الأيام الآن، حين تضع الصادق المهدي (المدني) على مسافة أقرب إلى جنرال الإبل حميدتي، منها إلى سوار الدهب، وأحلام الثورة ومطالبها، ليرفع الستار عن مشهدٍ أكثر سخرية، وإهانة للعسكرية، والمدنية، معًا.

Facebook Comments