لم يتوقف السيسي ونظامه العسكري عن طحن الفقراء بالفقر وسياسات الإفقار وتحميلهم أعباء معيشية فوق طاقتهم؛ ليخرجهم من دائرة الفعل الاجتماعي والسياسي، ومن ثم تجنب مطالب وحراك شعبي معارض لسياساته، مستعينا بأفاقي إعلامه الذين يزينون للناس القبح، ويهونون عليهم ضيق المعيشة بوصفها الوصفة العلاجية الأنجع لتطور مصر،  إلا أنه غالب الشعب يجد نفسه خارج خدود الحياة الآمنة اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا.

قهر سياسي وأمني 

وما بين القهر السياسي والأمني وتزييف الإعلام، يقوم السيسي بأخبث عملية هندسة لاقتصاد مصر على حساب الفقراء، ولصالح رأسمالية وحشية لا ترحم، ولا تعمل إلا لمصالحها الضيقة، مقدمة الفتات للدولة والمجتمع، كمساعدات رمضانية أو كراتين إغاثية للشعب المطحون.

وفي هذا السياق، نشرت مجلة “الإيكونومست” تقريرا تشير فيه إلى أن النظام الانقلابي في مصر يقوم بإصلاحات اقتصادية أدت إلى زيادة مستويات الفقر؛ حيث لا ينعكس النمو المتزايد في مصر عليهم ولا يزيد من دخولهم.

وقد قدم التقرير مجموعة من الإحصاءات التي تعتبر نقدا لاذعا للإصلاحات الاقتصادية التي يشرف عليها السيسي؛ حيث يلفت التقرير إلى أن مصر تعهدت في العام الماضي بتخفيض مستويات الفقر إلى النصف بحلول عام 2020، والقضاء عليه بحلول عام 2030، إلا أنه يبدو أنها تسير في الطريق الخاطئ، ففي 29 يوليو الماضي، أعلن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء عن تقرير حول دخل الأسر، ووجدت أن 33% من 99 مليون مصري يعدون فقراء حتى العام الماضي، وهي نسبة أعلى بـ28% عن العام الماضي.

كما أنه يشير إلى أن الحكومة قد حددت مستوى الفقر بمن لديه دخل شهري بـ” 736 جنيها مصريا”، وهو رقم يراه الاقتصاديون منخفضا جدا، مشيرا إلى قول البنك الدولي في أبريل الماضي إن نسبة 60% من المصريين إما فقراء أو عرضة للفقر. مؤكدا استمرار حكومة الانقلاب في الضغط على المواطن المصري، من خلال رفع الدعم عن الوقود، الذي يجد أنه كان يقع في قلب شبكة الحماية الاجتماعية، إلا أن شيئا لم يحل محله عندما تم قطعه، فبرنامج توفير الدعم المعروف بـ”تكافل وكرامة” يغطي 9.4 مليون مصري، أي أقل من 10% من السكان.

ورغم ذلك يرى التقرير أن حكومة السيسي تبدو غير آبهة لأثر ذلك على الفقراء، وتشير فقط إلى توسع الاقتصاد بنسبة 5.6%من مجمل الناتج المحلي، وهو ما جعل مصر الأكثر نموا في الشرق الأوسط، لكن هذا النمو مرتبط بالازدهار في مجال النفط  والغاز الطبيعي، أما بقية القطاعات فتبدو راكدة. ورغم خلق فرص عمل، فإنها في الأعمال ذات الأجر المتدني أو القطاعات غير الرسمية.

بيزنس العسكر

وقدأظهرت الانتكاسات الاقتصادية المتتالية للدولة مدى إصابة الهيئات الاقتصادية والهندسية للقوات المسلحة، الاقتصاد المصري، بحالة من العفن المزري.

ويعلق الدكتور كمال الحمامصي، أستاذ العلوم الإدارية، على ذلك بقوله: كتلة الجمود الموروث في الفراغ السياسي البغيض الذي دفعت إليه الأجيال على مدى 66 عاما، جمعت الكوارث في وجه المصريين، وذلك بسبب إصرار الحكومات المتتالية على عدم مواجهة العقلية الموروثة.

وأضاف: ما لم نتتصر على توأم منهج “فكر الإفلاس” ومنظومة الفساد، فلن تكون مصر دولة بالمعنى الحقيقي، فهي معركة لا يمكن التهرب منها بترحيل انتزاع الموروث البغيض نتاج اشتراكية العدم وانفتاح الفساد، منتقدا إسناد مشروعي الأسمدة والصوب لهيئات إقتصادية للقوات المسلحة، ضمن قائمة هائلة كلفت به لملء فراغ يعاني منه الاقتصاد من الآليات، خاصة وعامة، قادرة على التنفيذ، وانفجار المكبوت من كوارث تراكمت على مدى 66 عاما.

وأردف قائلا: ما الآليات التى تستقبل نمو الاقتصاد وتديره باحترافية ونزاهة ومحاسبية حتى يتحسن، ألا يحتاج استقباله ثورة تشريعية سريعة تنجح من خارج آلية الأمية السياسية الحالية؟.. إلى أي مدى تستطيع القوات المسلحة إقامة مصانع واستصلاح زراعي مد الطرق وإقامة المدن والكبارى؟ هل هذا يتفق مع منطق الأمور؟

وهكذا يعد السيسي وعسكره الفقر والكوابيس الاقتصادية، من ضرائب جديدة ورسوم ترتفع يوميا على الهدمات الحكومية، ورفع مصاريف العلاج والدراسة والنقل والطعام والشراب والكهرباء والماء والغاز.. وتحيا مصر السيسي التي لا يجد بها الفقير أو محدود الدخل مكانا.

Facebook Comments