أكثر من شهر ونصف مرّ على هجوم اللواء المتقاعد خليفة حفتر على العاصمة الليبية طرابلس، دون أن يتمكن من تحقيق نصر سريع، ما أدخل قواته في حرب استنزاف، لكن عامل الوقت لا يلعب لصالحه، ما دفعه لإعلان استعداده لقبول وقف إطلاق نار “دون شروط”.

في هذا الشأن، اتجه المنقلب عبدالفتاح السيسي بإجراء اتصالاته لدعم موقف حفتر، قبل لقاء الأخير بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في باريس، وهو اللقاء الذي تعوّل عليه الدول المهتمة بالوضع في ليبيا كفرصة أخيرة لوقف إطلاق النار في معركة طرابلس، في وقت تبدو فيه مشكلة الهدنة متعلقة بالوضع الذي سيتمخّض عنها، وبقدر ما يمكن لأي طرف تثبيت نجاحاته على الأرض.

وعلى لسان رئيس الحكومة الموازية في الشرق عبدالله الثني الذي يرأس الحكومة المؤقتة (تابعة لحفتر وغير معترف بها دوليا)، في حوار مع قناة “الحرة” الأمريكية، الجمعة الماضية، جاء أن “الجلوس مرحب به لكن دون شروط مسبقة، أما إرجاع الجيش إلى أماكنه السابقة فهذا شيء مستحيل، وهذا ضرب من الخيال”.

وهذه أول مرة يتحدث فيه الطرف المعادي لحكومة الوفاق، عن وقف إطلاق النار، مما يعكس اقتناع حفتر باستحالة دخول طرابلس عسكريا، لكنه بالمقابل يرفض التراجع إلى قواعده التي انطلقت منها قواته، كما تشترط حكومة الوفاق، خشية انهيارها ليس فقط في المنطقة الغربية بل أيضا في الجنوب.

ولا تميل الكفة حتى الآن إلى حفتر، رغم الدعم من دول عربية ، على رأسها مصر والإمارات والسعودية، وكذلك روسيا وبدرجة أقل فرنسا، وهي الدول التي كانت تتصور أن هجوما خاطفا على طرابلس سيكون كفيلاً بالقضاء على حكومة الوفاق ورفع الغطاء عن الفصائل المسلحة والمجموعات الإسلامية التي تسعى هذه الدول إلى التخلص منها في ليبيا.

لكن الجميع فوجئ بتماسك جبهة طرابلس وتفوقها على ميليشيات حفتر على محاور عدة. وزاد الموقف صعوبة تعرض حفتر لهجوم جديد من تنظيم “داعش” واستهداف مدينتي سبها وغدوة وقتل ثلاثة من عناصر مليشيات حفتر، ما يعني سعي التنظيم للعودة مرة أخرى إلى الساحل على حساب حفتر.

انتكاسة طرابلس

فى السياق، أكد الكاتب والخبير الروسي المختص في شؤون الشرق الأوسط رافائيل مصطفين في تقرير له في صحيفة “نيزافيسيمايا” الروسية أن عملية الاستيلاء السريع على طرابلس،من قبل الجنرال خليفة حفتر فشلت، وأن محاولات ميليشيا حفتر التقدم إلى وسط طرابلس توقفت، وأنه يتعرض لهجمات مضادة من قوات حكومة الوفاق الوطني بقيادة فائز السراج.

وأشار إلى أن أطراف النزاع تستخدم بشكل متزايد الأسلحة الثقيلة والطائرات، وأن حفتر رغم الدعم الخارجي، الذي يحظى به لم يتمكن من جمع ما يكفي من القوة للسيطرة على العاصمة وإغلاق حدود المدينة البحرية، وهو ما سهل عملية مد القوات الموالية للسراج بالمساعدات.

وتتكون قوات حفتر من حوالي 25 ألف مقاتل، بما في ذلك حوالي سبعة آلاف جندي وضابط خدموا في جيش الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي. ويكشف الكاتب أن كلا من صدام وخالد ابني حفتر يقودان هذه القوات، فضلا عن مجموعة أخرى تضم 18 ألف مقاتل تم تأسيسها استنادا إلى الانتماء القبلي.

وتواجه قوات حفتر في المقابل حوالي ستة آلاف مقاتل من وحدات شرطة طرابلس الموالية لحكومة الوفاق الوطني، بينهم نحو 1.5 ألف مقاتل من قوات الردع الخاصة. فيما تضم مجموعة مصراتة ما بين 12 و13 ألف مقاتل.

ويقدر عدد القتلى في هذا الصراع بحوالي 500، بينما تجاوز عدد الجرحى 2200 شخص، إضافة إلى فرار حوالي 50 ألفا من منازلهم بسبب احتدام النزاع.

ويشير الكاتب إلى اعتبار التصريح الذي أدلى به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الشهر الماضي بشأن دور حفتر في مكافحة الإرهاب، دعما له، غير أنه ينوه إلى أن صحيفة “وول ستريت جورنال” ذكرت أن عبد الفتاح السيسي وولي العهد السعودي محمد بن سلمان هما من حثّا ترامب على تغيير موقفه تجاه حفتر.

مساعدة السيسي

وهنا تكمن العقدة التي يحاول السيسي مساعدة حفتر لحلها، فالاثنان خلال لقاءيهما في القاهرة أثناء المعارك الأخيرة كانا يتصوران أنهما يملكان تحديد موعد إطلاق النار وفقًا للتقدّم الذي ستحرزه مليشيات حفتر، إلا أن صمود قوات حكومة الوفاق، ودخول “داعش” على الخط لتحقيق مكاسب خاصة به، وضعهما في مأزق، فلم يعد من الممكن حاليًا تثبيت هدنة تصلح كأساس لتحسين الموقف التفاوضي مستقبلاً، واكتساب مكانة متميزة في خريطة المستقبل الليبية.

وقالت مصادر دبلوماسية: إن أجهزة مصرية تواصلت في الأيام الماضية بعد لقاء حفتر في روما مع رئيس الوزراء جوسيبي كونتي، بسياسيين وعسكريين ومسئولين استخباراتيين من فرنسا وإيطاليا، لتأكيد موقف مصر المؤيد لحفتر والداعم لاستمرار الحملة على طرابلس إلى حين القضاء على الفصائل الإسلامية التي تصفها مصر وحليفاتها بـ”الإرهابية”، وأن أي مشروع لوقف لإطلاق النار دون الأخذ في الاعتبار ضرورة تطهير طرابلس من هذه العناصر، لن تعتد به مصر ولن تدعمه.

وأضافت المصادر أن حملة حفتر حتى الآن تُعتبر كارثية لمصر وحليفاتها خصوصًا الإمارات، فهي لم تنجح في تبديل الوضع على الأرض، ولم تنجح في القضاء على الفصائل المعارضة لحفتر، وهو الفشل الذي أصبح حقيقة واقعة في نظر الأوروبيين أيضًا، فعلى الرغم من أن فرنسا كانت منذ بداية الأحداث تدعم القضاء على هذه الفصائل وكانت تحاول الفصل بين خطابها تجاهها وخطابها إزاء حكومة الوفاق برئاسة فائز السراج، إلا أنها تراجعت عن ذلك بمرور الوقت ولم تعد تبديه في العلن على الأقل، ما يعكس عدم قدرة حفتر على تحقيق الأهداف التي كانت تصبو لها هذه الدول، فيما أصبحت باريس تشعر بالحرج البالغ جراء تهاونها مع التدخل الحاسم لوقف سفك الدماء بهذه الصورة المجانية، ليس أمام حلفائها الأوروبيين فحسب، بل في مواجهة انتقادات المعارضة المحلية أيضا.

إنقاذ حفتر

وأوضحت المصادر أن لقاء حفتر وماكرون المتوقع غدًا الأربعاء أو بعد غد الخميس، سيركز بالتأكيد على مسألة وقف إطلاق النار، فيما الاتصالات المصرية تسعى إلى عدم التمسك بالوقف الفوري، ومنح حفتر مزيدًا من الوقت لتحسين أوضاعه، مشيرة إلى أن عاصمتين أخريين تواصلان الاتصالات مع الدول الأوروبية لتحقيق الهدف نفسه، هما موسكو والرياض. أما الإمارات وعلى الرغم من الدعم المستمر سياسيا وماليا لحفتر، فهي تبدو الطرف الداعم الأكثر تضررا من وجوده حتى الآن.

فبحسب المصادر المصرية تشعر أبوظبي بأنها تنفق الكثير من الأموال والدعم من دون مردود مضمون، معتبرة أن تصريحات وزير الدولة الإماراتي أنور قرقاش أخيراً عن عدم استشارة حفتر لدولته قبل معركة طرابلس “إشارة تحذيرية”، مع التأكيد في الوقت نفسه أن السيسي ما زال يرى أن حفتر هو الشخصية المناسبة للرهان المصري الإماراتي السعودي في ليبيا، وأنه تحدث في هذا السياق مع ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد خلال زيارته القصيرة الأخيرة إلى مصر.

كما تحدثت مصادر مصرية الأسبوع قبل الماضي عن أن السيسي طوّر دعمه لحفتر في الآونة الأخيرة ليشمل الإمداد المستديم بالمدرعات المتوسطة والأسلحة المدفعية والأسلحة الخفيفة والذخيرة، وتدريب وحدات جديدة انضمت لمليشيات حفتر حديثًا، وتسيير سفينة تشويش مصرية للتأثير على أجهزة المراقبة الخاصة بقوات حكومة الوفاق وإضعاف قدرتها على رصد التحركات الجوية، وتوفير الوقود والصيانة خاصة للطائرات والمدرعات.

Facebook Comments