لم تتوقف ظاهرة الانتحار وقتل الأسرة على الكبار فقط بسبب الفقر والعوز وانهيار الحياة الاجتماعية نتيجة رفع الدعم عن الغلابة، وغلاء المعيشة، ولكن اتجهت الظاهرة للصغار والأطفال، الذين أصبحوا رغم طفولتهم وعدم تكليفهم شرعا أو قانونا، كارهين لحياتهم، ويبحثون عن سبل التخلص منها، نتيجة الفقر والعوز، والحياة المرة التي يحياها الأطفال في ظل الإجراءات الاستثنائية من اعتقال آبائهم، وإفقارهم، وتدمير مستقبلهم.

وأثار انتحار طفلة لا تتجاوز 10 سنوات، في القاهرة الجديدة، التي تعتبر من أرقى الأحياء في العاصمة المصرية، حالة من الجدل بعد ارتفاع العدد إلى 13 حالة خلال الأشهر الثلاثة الماضية، بمختلف المحافظات، والتي تتزايد حالات الانتحار بينهم رغم صغر سنهم، فضلا عن غيرهم ممن حاولوا الانتحار، بسبب الفقر والضغوط الاقتصادية والتفكك الأسري، وغياب كثير من أولياء الأمور عن المنازل بحثًا عن لقمة العيش، وغيرها من العوامل.

وقالت صحيفة “العربي الجديد” اليوم الثلاثاء، إنه لم تكن طفلة “فيلا التجمع الخامس” بالقاهرة الجديدة، وهي في الصف السادس الابتدائي، التي أقدمت على الانتحار، السبت الماضي شنقاً بمنديل، الأولى خلال العام الجاري 2019، إذ سبقتها 12 حالة بواقع أربع حالات كلّ شهر، بخلاف محاولات الانتحار.

أطفال القاهرة

وكشفت الصحيفة عن ارتفاع عدد المنتحرين من الأطفال خاصة في القاهرة الكبرى (القاهرة، الجيزة، القليوبية)، ففي محافظة القاهرة وتحديدًا في محلة السلام، أقدم تلميذ على الانتحار شنقاً، بسبب خلافات أسرية. وفي عين شمس، انتحر طفل بإلقاء نفسه من الطابق الثامن.

وفي محافظة الجيزة، تحديدًا في البدرشين، انتحر فتى بالسم، نتيجة ظروف اقتصادية صعبة تمر بها عائلته. وفي بولاق الدكرور، انتحر طفل شنقًا بسبب طلاق والديه، ورفض كلّ منهما استقباله، خصوصًا زوجة الأب، وزوج الأم.

وفي صفط اللبن، انتحر طفل بالسمّ. وفي محافظة القليوبية، تحديدًا في الخصوص، انتحر طفل شنقًا لخلافات أسرية.

وفي طوخ، بالقليوبية أيضًا، انتحر طفل بتناول قرص مبيد حشري لعدم قدرة أهله على تحمل كلفة الدراسة.

وفي الصعيد بمحافظة المنيا، بصعيد مصر، انتحر طفل شنقًا.

وفي سوهاج شنق تلميذ إعدادي نفسه لمروره بأزمة نفسية، بسبب كثرة سفر والده إلى الخارج، أما في محافظات الوجه البحري، فقد انتحرت تلميذة في الدقهلية، بإلقاء نفسها في إحدى الترع، ورجّحت أسرتها أنّها كانت تمرّ بظروف نفسية صعبة لعدم قدرتها على المذاكرة بالرغم من تفوقها.

وفي الإسكندرية انتحر طفل داخل حجرته ليلاً بشنق نفسه بسبب خلاقات بين والديه وصلت إلى حدّ الطلاق

وفي محافظة كفر الشيخ عثر على جثة طفل، فتبين أنّه انتحر بسبب المشادات الكلامية المستمرة بين والديه.

مؤشر خطير

ونقلت الصحيفة عن عدد من التقارير، أنّ انتحار الأطفال، أو محاولتهم الانتحار، مؤشر خطير، خصوصًا أنّه يأتي في إطار مشهد عام، لتزايد أعداد المنتحرين في مصر في مختلف الشرائح العمرية.

وقال أحد الباحثين في “المؤسسة المصرية للنهوض بأوضاع الطفولة”: إنّ انتحار 13 طفلاً خلال الربع الأول من العام الجاري مؤشر خطير، مشيرًا إلى أنّ هناك المئات من الأطفال الذين يجري إنقاذ حياتهم شهريًا من الانتحار، وهؤلاء يأتون في المرتبة الثانية بعد الشباب في الانتحار أو محاولته.

وأضاف أنّ الضغوط الاقتصادية والفقر وحالات التفكك الأسري، وغياب الحوار داخل الأسرة، وانشغال الوالدين بزيادة الدخل والعمل في نوبات عدة، وغياب الخطة الإنجابية الواضحة، هي من الأسباب المؤدية بالأطفال إلى الانتحار أو محاولته. كذلك، فإنّ هذه الأسباب تؤدي إلى نتائج سلبية أخرى، بمعزل عن الانتحار، لعلّ أبرزها ازدياد أطفال الشوارع.

وكشف عن أنّ الأطفال يمثلون ثلث تعداد مصر، ومن بينهم 9 ملايين يعيشون في حالة فقر، و8 ملايين معرضون للفقر، بخلاف أطفال الشوارع والأطفال الذين تضمّهم دور الرعاية. على هذا الأساس، يطالب الحكومة بدور فعّال، خصوصًا على صعيد التنشئة السليمة في المدارس، ورعاية الأطفال من خلال معالجة قضية أطفال الشوارع، التي تتحول إلى ظاهرة خطيرة تهدد الاستقرار الاجتماعي في مختلف المحافظات المصرية.

غياب الأب

كما نقلت الصحيفة عن أستاذة علم الاجتماع في جامعة “عين شمس”، الدكتورة سامية خضر، إنّ إقدام بعض الأطفال على الانتحار، نتيجة المشاكل الأسرية اليومية التي باتت تطفو على السطح مؤخراً، معظمها بسبب الظروف الاقتصادية والاجتماعية، واتجاه بعض الأطفال إلى الألعاب الخطيرة، مؤكدة أنّ هناك أطفالاً يعيلون أسرهم، في ظلّ غياب الأب أو وفاته، وما يتحمله هؤلاء الأطفال من أعباء يومية يفوق طاقة الكبار، كما أنّها أعباء تحرمهم من التمتع بالحياة، ما قد يدفعهم إلى التفكير بالتخلص من كلّ هذه الأعباء بالانتحار، كونه أسهل الطرق.

وتضيف أنّ عدم اهتمام الحكومة المصرية، بالمرض النفسي وتجاهل علاجه بإنشاء مستشفيات حكومية، للكبار والصغار، خصوصًا بعد زيادة نسبة هذا المرض في القرى والمدن، وإقدام كثير من حامليه على الانتحار، يعتبر مشكلة خطيرة، فيما تتجاهل الحكومة الحلّ.

الفقر

كانت الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، قد كشفت ارتفاع معدل الانتحار ومحاولة الانتحار في مصر خلال يناير الماضي إلى 12 حالة، منها 9 حالات لقيت حتفها بالفعل وكلها لأسباب اقتصادية، وبسبب خلافات أسرية حول تكاليف المعيشة، وفق التقرير.

وتوقعت مصادر أكاديمية مشاركة في الدراسة التي يجريها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء حول أنماط دخول واستهلاك المصريين عامي 2017/2018، والتي سيتم الإعلان عنها في وقت لاحق، تخطي معدلات الفقر نسبة 30 %، مقابل 27.7 % في عام 2015.

ونقلت الصحيفة عن أحمد مطر، رئيس المركز العربي للدراسات الاقتصادية،إن معدلات الفقر بشكل عام ارتفعت من 40% إلى ما بين 53 و56% في مرحلة ما بعد الانقلاب.

و تقدّر المنظمات الدولية الدخل اليومي للواقعين تحت الفقر المطلق بأقل من 3 دولارات (54 جنيهًا)، وتحت الفقر المدقع بأقل من 1.9 دولار (35 جنيهًا)، وعلى اعتبار أن متوسط عدد أفراد الأسرة في مصر هو خمسة أشخاص، ومع افتراض أن كل أفراد الأسرة يعملون، فلن يتعدى الدخل اليومي لكل الأسرة 170 جنيهاً. وهذه الأرقام تكشف الحجم الكارثي للأزمة”.

الجمعيات الخيرية

ويتابع مطر أن ارتفاع معدلات الفقر يرجع إلى عدة أسباب منها الصرف على مشاريع وهمية، والإنفاق على المنح والعطايا للمقربين من النظام، بالإضافة إلى الرشاوى السياسية والصفقات، وكذلك تعويم الجنيه، وما تبعه من ارتفاع الأسعار مع ثبات الدخل. ويعتبر أن هذه المشكلات أدت إلى دخول شرائح جديدة تحت خط الفقر.

كذلك، فإن مطاردة الجمعيات الخيرية حرمت المجتمع من مساهمة هذه الأخيرة في تأمين العلاج والغذاء والملبس لمحدودي الدخل، وكل هذه الخدمات من ضروريات الحياة.

وكان تقرير صادر عن مركز المصريين للدراسات الاقتصادية والاجتماعية قد أكد وقوع 4 آلاف حالة انتحار لأسباب اقتصادية في الفترة من مارس 2016 إلى يونيو 2017.

Facebook Comments