خطورة الموقف في شمال سيناء تزداد إذا علمنا أن التنظيم المسلح (ولاية سيناء) بالتوازي مع تكثيف هجماته المسلحة ضد الجيش والشرطة خلال الشهور الماضية، بدأ أيضا في تنفيذ إعدامات ميدانية وخطف للعشرات من المتعاونين مع قوات الأمن في وسط وشمال سيناء باعتبارهم عيون وجواسيس، وكان التنظيم قد دعا هؤلاء إلى وقف ما وصفه التخابر لحساب الأمن، لكن بعضهم رد بالدعوة إلى الاحتشاد للقضاء على التنظيم بعد رمضان؛ فاستبقهم بتوجيه ضربة قاسية؛ واختطف وأعدم عددا منهم ميدانيا كسليم عطية أبو سحبان وعواد أبو الرقيع الذي قتل حرقا وأضرمت النيران في منزله وسيارته؛ ليكون عبرة لغيره.

وتمكن التنظيم  خلال اليومين الماضيين من قتل شاب سيناوي يدعى عليان العرجاني بدعوى تعاونه مع الجيش والأجهزة الأمنية التابعة لرئيس الانقلاب عبدالفتاح السيسي. وهو ما يفتح الباب واسعا أمام  تسليط الضوء على معاناة المدنيين في سيناء، فهم أمام "اختيار" قاس و"اختبار" أشد قسوة بين العمل كعيون وجواسيس للنظام وأجهزته الأمنية فيجلبون على أنفسهم عداء الدواعش. أو العمل كجواسيس وعيون لتنظيم "ولاية سيناء"، فيجلبون على أنفسهم عداء مليشيات السيسي. أو الوقوف على الحياد فيجلبون على أنفسهم عداء هؤلاء وهؤلاء!

وشن التنظيم مؤخرا هجوما مسلحا على عدد من المتعاونين مع الجيش في منطقة العجراء التابعة لمدينة رفح وأوقع عددا من القتلى والجرحي بين صفوف مخبري الجيش وجواسيسه مثل محمد أحمد العلاوين وجزاع البحبح وإصابة شقيقة والذين ينتمون إلى قبيلة "الترابين" المعروفة بولائها للنظام ، كما شن النظام هجوما مماثلا على المتعاونين مع الجيش والشرطة بوسط سيناء  وانسحب عناصر تنظيم "ولاية سيناء" من كل هذه الاشتباكات دون وقوع إصابات بين صفوفها.

وفي تعبير عن فرض السيطرة على الأرض،  تمكن التنظيم من اعتقال العشرات من الموالين للنظام بدعوى عملهم كعبون وجواسيس لقوات السيسي، ومن بين المعتقلين الذين يحتجزهم التنظيم ثلاث عائلات بأكملها، وخمسة أفراد آخرين، بالإضافة إلى مصادرة عدد من السيارات التي يستخدمها المواطنون في التحرك بالمنطقة، سواء بمرافقة قوات الجيش أو في قضاء مصالحهم. في المقابل، لم تقدم قوات الجيش أي تعويض لعائلات القتلى أو المصابين أو حتى عن الأضرار المادية التي لحقت بهم على يد التنظيم، الذي عاد إلى النشاط أخيراً في مناطق وسط سيناء، بعد غيابه عنها مع بدء العملية العسكرية الشاملة مطلع عام 2018، منفذاً هجمات عدة ضد قوات الجيش خلال الأسابيع الماضية، أدت إلى وقوع خسائر بشرية ومادية في صفوفها.

 

يخذل المتعاونين مع قواته

والعجيب أن الجيش والشرطة لم يكترثا لهذه الأحداث ولم يفرضا سياجا من الحماية للمتعاونين معهم! والأدهى أن النظام لا يعترف بالقتلى المدنيين المتعاونين معه ولا يتم منحهم أي امتيازات مادية أو معنوية كما يحصل مع العسكريين المقتولين في المعارك مع ذات العدو؛ في تأكيد على التمييز الحاصل في التعامل مع المشاركين في الحرب على ما يسمى بالإرهاب. وبالتالي فإن المدني المتعاون مع قوات الأمن لا يحظى بالتكريم لا في حياته ولا بعد مماته.

 وتتزامن هذه الأحداث مع انتشار حالة من التذمر بين عائلات المواطنين الذين تضرروا من ممارسات الجيش في سيناء  سواء من قتلوا عن طريق الخطأ أو أصيبوا بشظايا الجيش العشوائية؛ فقد اقتطعت الحكومة (500 جنيه) من رواتبهم الشهرية  التي يحصلون عليها بشكل دوري كتعويض عن استهدافهم بطريق الخطأ في مناطق العمليات برفح والشيخ زويد والعريش وبئر العبد، دون توضيح من الجهات المختصة، خصوصاً أن القرار يأتي في وقت حرج تمر فيه المنطقة بأكملها، في ظل دخول شهر رمضان من جهة، وانتشار فيروس كورونا  من جهة أخرى.

 

السيسي وداعش وجهان للإرهاب

وعلى خطى الجيش والشرطة اللذين يمارسان أبشع صور الإرهاب والعنف وانتهاكات حقوق الإنسان في مصر وسيناء على وجه الخصوص، فإن تنظيم ولاية سيناء يمارس نفس الجرائم والانتهاكات من قتل واعتقال واختطاف  مرتكباً جرائم إنسانية بدفنهم أحياء وحرق جثثهم وممتلكاتهم والتعرض لعائلاتهم، وذلك كله لا يحرّك ساكناً لدى العسكريين والأمنيين الذين يشتغل المتعاونون تحت إمرتهم.

وحول انعكاسات خذلان السيسي للمتعاونين مع قواته ومليشياته في سيناء وتركهم متجردين من أي دعم أمام وحشية التنظيم الدموي فإن ذلك من شأنه تعزيز وجود التنظيم وفرض سيطرته على الأرض وإطالة عمر الصراع الذي يبدو أن النظام  غير متحمس لإنهائه من أجل توظيفه سياسيا وإقليميا ودوليا في ملفات تتعلق بشرعية النظام من جهة وتسويقه في الغرب من جهة ثانية وجلب مزيد من التمويل والدعم الدولي باعتباره يتصدر جهود مكافحة التنظيم الأكثر دموية في الوقت الراهن ليبقى  أهالي سيناء محاصرين بين إرهاب النظام من جهة وإرهاب  الدواعش من جهة ثانية.

Facebook Comments