كشفت مصادر مخابراتية، ليبية ومصرية، عن عرض شفهي من قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي لتسوية الصراع الدائر فى ليبيا، يتضمن إقامة حكومة وحدة وطنية مشتركة وجيش حيادٍ وهدنة طويلة لإنقاذ صديقه المنقلب اللواء المتقاعد خليفة حفتر.

كانت مصادر قد تطرقت إليها مواقع إخبارية شهيرة، عن بدء مفاوضات غير مباشرة منذ أيام بين قيادات موالية لحكومة الوفاق وأخرى موالية للواء خليفة حفتر برعاية مصرية، مشيرا إلى أن توقف القتال في جنوب طرابلس منذ أيام يرتبط بالمفاوضات الجارية، استباقا لحراك دولي نحو حث الأطراف الليبية للتوجه للحلول السلمية.

وكان السيسي قد استقبل “حفتر” في زيارة لم يُعلن عن تفاصيلها، مطلع شهر أغسطس الحالي، وتلقى في الوقت نفسه اتصالاً من ماكرون استعرض بشكل أساسي تطورات الملف الليبي، وأكد خلاله السيسي مساندة مصر “لجهود الجيش الوطني الليبي” (المسمى الرسمي لمليشيا حفتر والمعترف به في مصر)، في مكافحة الإرهاب والقضاء على التنظيمات الإرهابية”.

وحدة عسكرية مشتركة

المصدر الحكومي أكد أن اللجنة المصرية المكلفة بمتابعة الملف الليبي، تمكنت من إقناع حفتر وقيادات موالية لحكومة الوفاق بالبدء في حوار غير مباشر من أجل الاتفاق على عدة نقاط تُبنى على أساسها بنود اتفاق نهائي، في ظل عجز طرفي القتال عن حسم المعركة التي بدأت منذ إبريل الماضي.

وقال المصدر، إن “حفتر قبل بالحوار بهدف تحييد قوة مصراتة التي يجري التفاوض من أجل انسحابها من جبهات القتال في طرابلس، مقابل ضمانات تؤكد عدم دخول مليشيات غرب ليبيا الموالية لحفتر إلى طرابلس”، موضحا أن القيادات العسكرية المنخرطة في الحوار غير المباشر طالبت بضرورة تفكيك وتحييد مليشيات ورشفانة ومليشيات اللواء السابع من ترهونة.

وبحسب المصدر، فإن القاهرة تقترح على الطرفين تشكيل قوة مشتركة من وحدات عسكرية منضبطة من جانب حفتر ومصراتة لبسط السيطرة على طرابلس وتشكيل حكومة وحدة وطنية جديدة شرط حل البرلمان المنعقد بطرابلس، وبقاء الموجود بطبرق كسلطة تشريعية وحيدة تمنح الحكومة الجديدة شرعية السلطة التنفيذية.

غضب فرنسى

فى سياق متصل، كشفت مصادر دبلوماسية مصرية وأوروبية في القاهرة عن وقوع “خلافات في وجهات النظر بين فرنسا ومصر بشأن الوضع الميداني والسياسي في ليبيا”، نتيجة رفض باريس للعديد من الممارسات التي ترتكبها مليشيات شرق ليبيا بقيادة اللواء خليفة حفتر، والتي تحظى بدعم مصري وإماراتي مباشر. ويتركز الخلاف على استمرار قصف مليشيات حفتر للمنشآت والمرافق المدنية، كالطائرات ومحطات المياه والوقود، بدعوى استخدامها في إخفاء عناصر أو معدات عسكرية استوردتها حكومة الوفاق المعترف بها دوليا من تركيا ودول أخرى.

ويحاول السيسي تجاوز هذه الخلافات قبل قمة السبع الكبرى المقرر عقدها في فرنسا نهاية شهر أغسطس الحالي، والتي كان يأمل أن ينجح قبلها في تغيير توازن القوى الميداني لصالح حفتر، بهدف انتزاع مباركة أميركية وأوروبية لدعم مصر له.

وقالت المصادر،  إنّ باريس تلقي اللوم على القاهرة في استمرار قصف حفتر لهذه المنشآت لأسباب مختلفة، أبرزها أنّ اللواء المتقاعد يحصل على المعلومات والبيانات اللازمة لهذه العمليات من الاستخبارات الحربية المصرية. يضاف إلى ذلك أن مصر تؤمن إمداده بالمعدات والذخائر اللازمة لذلك، “في وقت كانت فيه فرنسا تحاول الوصول إلى اتفاق مع إيطاليا ودول أخرى للعمل سويا على تقليص إمدادات الذخيرة والسلاح للطرفين المتناحرين في ليبيا، سعيا للوصول إلى نقطة يمكن البناء عليها لإرغامهما على العودة لمسار المفاوضات السلمية”، وفقًا لموقع العربي الجديد.

رفض ليبى للفكرة المصرية

وتأتي هذه المقترحات بعدما دعت وزارة الخارجية المصرية بحكومة الانقلاب، الأسبوع الماضي، البعثة الأممية في ليبيا إلى “التعاون والانخراط بشكل أكبر مع الممثلين المنتخبين للشعب الليبي، لبلورة خطة الطريق المطلوبة للخروج من الأزمة الحالية”، في إشارة لمجلس النواب المنعقد بطبرق، مؤكدة أن المجلس هو الجهة الوحيدة “المناط بها التصديق على أي خارطة طريق قادمة للخروج من الأزمة الليبية، ووضع القواعد الدستورية اللازمة لتنظيم إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية”.

ولقيت هذه الدعوة معارضة واسعة من قبل حكومة الوفاق ووزارة خارجيتها، اللتين اعتبرتاها “تدخلا سافرا في الشأن الليبي الداخلي”.

وتشير معلومات المصدر الحكومي إلى وجود معارضة بين شرائح عديدة في طرابلس لحصر حوار حفتر مع قيادات عسكرية من مصراتة دون إشراك الجهات الحكومية في طرابلس، ما يهدّد الحوار بالفشل.

لكن حفتر، بحسب المصدر، يعول على نجاح حواره مع قيادات مصراتة العسكرية لتحييد قوتها، كونها أبرز القوى التي تشكل غالب جبهات القتال في جنوب طرابلس، بالإضافة لامتلاكها للقاعدة الجوية الوحيدة التي تمكنت من فرض حصار جوي على قواته في الخطوط الخلفية لها، ولا سيما في الطرقات الرابطة بين الجفرة وتمركزات قواته في مناطق جنوب طرابلس.

تخلى “ماكرون”

وأضافت المصادر أنّ الحكومة الفرنسية التي كانت تدعم حفتر بصور شتى غير معلنة، فقدت حماستها له حاليا أكثر من أي وقت مضى، بسبب توالي الوقائع التي يُحرج فيها الدول الداعمة له، بارتكاب مخالفات ممنهجة وجرائم حرب أو خرق للهدنات، ولعجزه عن حسم المعارك المتتالية، وفشله في إثبات أنه الرجل الأقوى في ليبيا كما كان يصوّر سلفا. وبحسب المصادر، فإن المعركة في طرابلس على وشك دخول شهرها السادس ولم يحقق حفتر التقدم الذي كانت الدول الداعمة له أو الراضية به أو المعارضة للوجود الإسلامي في حكومة الوفاق تتوقعه عند اندلاع المعركة الحالية في إبريل الماضي.

وأشارت المصادر إلى استمرار التنسيق الفرنسي المصري في ملفات عديدة، على رأسها صفقات التسليح والمناورات العسكرية والتصدي للهجرة غير النظامية، إلا أنّ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يمتنع حاليا تحت ضغط أوروبي وداخلي عن منح مزيد من المساعدات لحفتر. وهو ما دعا السيسي وولي عهد أبوظبي محمد بن زايد منذ أشهر عدة إلى تكثيف اتصالاتهما بموسكو وواشنطن، لتعويض ما قد ينتج عن خفوت الدعم الفرنسي، مع استمرار معارضة ماكرون لسياسة حكومة الوفاق في مهادنة مليشيات تعتبرها باريس “إرهابية”، وهي النقطة التي باتت المحور الأهم الذي تلتقي عنده المصالح المصرية والفرنسية في ليبيا، وفق المصادر.

Facebook Comments