هكذا فجأة وبدون مقدمات، قرر قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسى، ومن خلال عصاه السحرية، أن يعيش المصري المهمش حياة كريمة، وحشدت دولته كل أجهزتها على مدار اليوم والأامس إعلاميا وسياسيا ، للترويج لهذه الحياة التي أعلنها السيسي، وكأن السيسي هو إله هذا العصر الذي يمنح الحياة ويمنعها في لحظة واحدة، ليطرح عدة تساؤلات على لسان المواطن أبرزها: ” أين كانت هذه الحياة على مدار خمس سنوات عمل السيسي فيها على الانتقام من المصريين؟، وطالما السيسي قادر على أن يهيئ حياة كريمة للفقراء فلماذا انتظر كل هذا الوقت، ليخرج فجأة ويعلن عن منح هذه الحياة في 24 ساعة فقط؟

وانتفضت اليوم الخميس وأمس على مدار الساعات الماضية، اجهزة الدولة في الحديث عن مبادرة السيسي، التي دعا فيها عبر صفحته الرسمية بموقع «فيسبوك» جميع مؤسسات وأجهزة الدولة بالتنسيق مع مؤسسات المجتمع المدنى لتوحيد الجهود بينها لاستنهاض عزيمة المصريين لإنجاح تلك المبادرة، التي زعم خلالها أنها تهدف لتوفير حياة كريمة للفئات المجتمعية الأكثر احتياجا خلال عام 2019 من خلال تقديم الرعاية الصحية وتقديم خدمات طبية وعمليات جراحية وتنمية القرى الأكثر احتياجا طبقا لخريطة الفقر وصرف أجهزة تعويضية، بالإضافة إلى توفير فرص عمل بالمشروعات الصغيرة والمتوسطة فى القرى والمناطق الأكثر احتياجا، كما ستسهم فى زواج اليتيمات.

مفاتيح الجنة

هكذا أعلن السيسي أنه يمتلك مفاتيح الجنة، التي سيدخل فيها الفقراء بعد أن شبع من تعذيبهم، لتعلن اجهزة الدولة المعنية باتخاذ الاجراءات والتدابير لتنفيذ ما جاء بها، في غضون هذه الأيام، ويخرج مصطفى مدبولى رئيس حكومة الانقلاب ليعلن البدء فى تفعيل هذه المبادرة بشكل عاجل، وبلورة رسالتها فى صورة محاور عمل، وتنفيذها، بما يسهم فى الارتقاء بمستوى الخدمات اليومية المقدمة للمواطنين.

كما أعلنت غادة والى وزيرة التضامن الاجتماعي بحكومة الانقلاب، إنها ستعقد اليوم اجتماعا لمنظمات المجتمع المدنى والجمعيات الاهلية فى الوزارة لتنسيق الجهود استجابة لمبادرة السيسي، مؤكدة التزام الوزارة بالعمل على دخول حوالى 100 الف اسرة تحت مظلة تكافل وكرامة، ومد شبكة الحماية لتشمل الفئات التى ليس لديها القدرة على العمل والانتاج، مثل كبار السن ومن لديهم اعاقة تمنعهم العمل.

ودخل وزير مالية الانقلاب على خط “شو السيسي” وقال محمد معيط وزير المالية الانقلابى، إن مصر لديها خطة طموح للتنمية وتسعى بكل جهد الى تحسين معيشة المواطنين، من خلال رفع معدل النمو على الا يقل عن 7% بحلول عام 2021.

الغلابة والسيسي

وأثارت مبادرة السيسي جدلا في فضاء التواصل الاجتماعي، وردود أفعال كثيرة، حيث نقلت “قناة الجزيرة” عن محمد جمال علام الذي قال ساخرا “ربنا يستر من الكلام ده وميكونش وراه صب”، قاصدا عبارة “تصب في مصلحة المواطن”، وهي عبارة استخدمتها حكومة الانقلاب عدة مرات للترويج لقرارات جديدة، وأثارت سخرية المصريين.

وتخوفت هناء محمد شحاتة من أن تتبع هذه المبادرة طلبات تبرعات أو قرارات بالخصم من الرواتب، وقالت “ربنا يستر.. ويا ترى دي مقدمة لطلب أي تبرعات أو خصومات”؟

وأكدت نجوى عطية أن المواطنين منهكون من غلاء الأسعار، وطالبت بتشديد الرقابة على التجار، وقالت “الناس تعبانة والغلاء دابح البشر، قبضة من حديد على التجار والمحليات والله المستعان”.

دولة العدل

وقال أحمد أبو المجد “توفير حياة كريمة للمواطن يحتاج إلى العدل، حضرتك شايف إننا في دولة العدل والمساواة؟”

وتأتي هذه المبادرة في أعقاب مبادرات أطلقها السيسي سابقا، مثل أعوام الشباب والمرأة والمعاقين، فضلا عن وعوده المتكررة بتحسن الأوضاع الاقتصادية، حيث طالب المصريين عدة مرات بالصبر لفترات زمنية تراوحت بين ستة أشهر وعام وعامين، ومؤخرا وعد المصريين بأنهم سيرون دولة أخرى في عام 2022، وهو العام الذي تنتهي فيه الولاية الثانية والأخيرة للسيسي، وفقا للدستور المصري.

وتزايدت معدلات الفقر في مصر خلال حكم الانقلاب ، وبلغت ذروتها في العامين الأخيرين، رغم المؤشرات المعلنة من قبل النظام الحالي عن تحسن مستوى الاقتصاد، والتي تركز على مؤشرات أو عوامل لا يشعر بها المواطن العادي.

وارتفعت معدلات الفقر لتصل إلى 27.8 % في عام 2015، حسب تقديرات اليونيسف والجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء . وأظهرت الإحصائيات أن 30 مليون مصري على الأقل يعيشون تحت خط الفقر المدقع، إضافة إلى ارتفاع عدد العاطلين عن العمل إلى 3.5 مليون مواطن، حسبما أعلن تقرير الأمم المتحدة عام 2017، في الوقت الذي يزعم نظام الانقلاب أن خمسة جنيهات يوميًّا تكفي لكي يعيش المواطن ويأكل ثلاث وجبات بشكل يومي.

خط الفقر

ووضعت سلطة الانقلاب خط الفقر للشخص بأنه 482 جنيها في الشهر. وبالرغم من أن مبلغ 482 جنيها الذي تم على أساسه إجراء الإحصاء الأخير في مصر عام 2015 ضئيل جدا، ولا يفي باحتياجات الإنسان الأساسية، بل لا يفي حتى بطعامه فقط في ظل الظروف الحالية التي نتجت عن رفع الأسعار، ورفع الدعم عن كثير من السلع والخدمات، وعلى رأسها وسائل النقل والمواصلات، وهذا المبلغ يزيد قليلا عما يحتاجه الفرد الواحد لركوب المترو ذهابا وإيابا لمرة واحدة في اليوم، حيث يبلغ سعر تذكرة المترو 7 جنيهات، وباعتبار أنه سيستقل المترو كل يوم فيلزم الفرد 14 جنيها في رحلتي الذهاب والعودة اليومية، وبضرب هذا المبلغ في ثلاثين يوما، يكون إجمالي ما يدفعه المواطن لركوب المترو 420 جنيها لركوب وسيلة مواصلات واحدة، إلا أن سلطات الانقلاب اعتبرت أن هذا المبلغ يكفي لكي يعيش الفرد في مصر.

وصول نسبة الفقراء تحت خط الفقر إلى 27.8 % بمعدل استهلاك 482 جنيها للفرد في الأسرة، حتى يتوفر له 3 احتياجات أساسية هي المسكن والمأكل والملبس، وباعتبار أن متوسط الأسرة في مصر 4.1 فرد، فإن الأسرة التي يقل دخلها عن 2000 جنيه شهريا تكون تحت خط الفقر، في حين وصلت نسبة الفقر في محافظات الصعيد إلى أكثر من الـ50% بينما تبلغ نسبة الفقر بمحافظة أسيوط 66%. ويتوقع أن يتم رفع خط الفقر إلى 800 جنيه للفرد الواحد في المسح الجديد للتعبئة العامة والإحصاء؛ بسبب زيادة معدلات التضخم والقرارات الاقتصادية الأخيرة، كرفع سعر الوقود ورفع الدعم عن العديد من السلع والخدمات، لذلك يتوقع ارتفاع نسبة الفقر إلى 35% على الأقل فى خط الفقر الجديد، وهذا الرقم يقل عن المعدل البنك الدولي البالغ 1024 جنيها طبقا لمتوسط سعر صرف الدولار كما سبق ذكره.

Facebook Comments