أعتقد أن رحيل النظام العسكرى الفاشى بات مؤكدًا، كما أعتقد أن رحيلهم لن يكون سهلاً؛ أسأل الله أن ينجى مصر والمصريين من غبائهم. ومع قناعتى بعدم وجود ما يسمى انقسامات داخل الجيش قد تسرِّع برحيله؛ فإن المؤكد أن خروج الشعب بأعداد كبيرة غدًا هو ما سوف يجنبنا فوضى كبيرة سوف يصطنعها المجرمون قبل خروجهم من السلطة.

ويعد يوم الجمعة الماضى (20 سبتمبر 2019) يومًا فاصلاً فى عمر هذا النظام؛ إذ وقَّع الشعب فيه على رحيل العسكر، والشعوب لا تتراجع إذا أبرمت أمرًا، قال لهم الناس مساء هذا اليوم: ارحلوا غير مأسوف عليكم، غير أنهم لم يستوعبوا ما جرى، أو ربما فوجئوا به؛ فسارع زعيمهم إلى «ترامب» يلتمس النصرة؛ ظن أن «ترامب» يمنع قرار الشعب فيه، أو يمنع قدر الله فيمن خان وقتل وغدر، وإن هى إلا ساعات من لقائهما حتى قيَّض الله من يسعى لهدم ملك (ترامب)؛ دليلًا على أن الله مولى الذين آمنوا، وأن المجرمين لا مولى لهم.

الثورة بدأت، ولن تتوقف. قد تهدأ أو تستريح لكنها لن تتلاشى أو تموت، ولقاء المنقلب بـ«ترامب» زاد شرارتها، عكس ما يتصوره أنصاره، وهى فى ازدياد ما بقيت أسبابها؛ وعلى رأس هذه الأسباب فشل العسكر، وفسادهم، واستبدادهم، فضلًا عن تفرغهم هذه الأيام للكيد والدس وملاحقة المصلحين، ولا مخرج من كل ذلك إلا استسلامهم؛ لأنه لا يصلح الترقيع لإخماد الثورة كما يزعم من خرجوا علينا ببنود انبطاح فيما أسموه «خطة إصلاح» والتى هى فى حقيقتها قبلة حياة للعسكر، ومحاولة لتخليصهم من أيدى الشعب.

ولو نفع «ترامب» أحدًا لنفع نفسه؛ فالانتخابات الأمريكية على الأبواب، ولا بارقة أمل لتجديد ولايته، خصوصًا بعد فضيحته التى تفجرت مساء الثلاثاء، وقد خسر حزبه خلال السنوات الأربع الماضية ما لم يخسره من يوم تأسيسه؛ لرعونته وإجرامه. وتخيل أن شخصًا كهذا هو نصير النظام، وهو المعروف بعداوته للمسلمين، بل فى لقائه مع زعيم الانقلاب لم يخجل من إعلان هذه العداوة التى أيده فيها المنقلب؛ حيث أكدا سعيهما لعدم وصول أنصار«الإسلام السياسى» إلى السلطة.

تلك محاولات يائسة، كحالة تنشيط قلب لجسد قد مات، لا ينفع فيها خداع أو مراوغة، مثل ادعاء أن المظاهرات التى خرجت مساء الجمعة من صنع الإخوان، أو أنها محاولات مخربين لنشر الفوضى، يقولون ذلك وهم على يقين أنها ثورة شعب ناقم عليهم، وأن هذا الشعب ما أخرجه إلا الجوع والاستبداد، والسفه والفساد، والتبعية والخيانة، وأخرجه الكذب من رأس النظام، والإصرار على حكم مصر رغم هذا الفساد وتلك الخيانة.

إنهم يبحثون عن شرعية جديدة بعد أن ألغى الشعب شرعيتهم يوم الجمعة الماضى، وبعدما رأوا أصنامهم قد تهاوت، وبطانتهم قد زاغت أبصارهم؛ فكان اللجوء إلى «ترامب»، سيد العالم؛ ليعقد لهم سحرًا يعيدون به شرعيتهم، غير أن المصريين لا يعرفون هذه اللغة، ولا يثقون بـ«ترامب» قاتل العرب والمسلمين، ويرون ذلك إعلان حرب عليهم، وحُقَّ لهم أن يكبروا الله على نجاح ثورتهم؛ ذلك أن اللجوء إلى أمثال هذا المجرم بشارة على ذهاب دولة العسكر وزوال حكمهم، وفى التاريخ شواهد على ذلك.

إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر، لو كانوا يعلمون، فلا رأى لـ«ترامب»، ولا حيلة له، بل الحول والطول والقوة لله جميعًا، ولى الذين آمنوا، نصير المظلومين، عدو المجرمين الفاسدين، الذين طغوا وبغوا، وفسدوا وأفسدوا، ونحن فى انتظار آية الله فيهم.

سوف يحتشد المصريون غدًا الجمعة، وإذا كان المنقلب قد استعان بـ«ترامب» فإنهم قد استعانوا برب «ترامب»، والله أقوى وأجلّ، يحتشدون وهم فى أشد حالات الغيظ؛ للتخلف الذى كرّسه هذا النظام، والبؤس والإحباط، وهم على أمل ألا يسانده أحد ممن كانوا يناصرونه بالأمس، وإلا ستكون فوضى ومذبحة، والأمل معقود على همة الشباب وحماسهم، ورغبتهم فى بناء وطن قائم على العدالة والحرية، والمشاركة والمساواة، تتجلى فيه روح المواطنة الحقة؛ حيث لا مظلوم ولا مكلوم، ولا محبط ولا يائس.. ولله الأمر من قبل ومن بعد.

Facebook Comments