في الوقت الذي يحتفل فيه طاغية مصر الجنرال عبدالفتاح السيسي مع عدد من الشباب المنتقين من الأجهزة الأمنية في مدينة شرم الشيخ على نفقة الشعب المصري، ومع انطلاق المؤتمر أمس السبت، أقدم شابان في ذات اليوم تتراوح أعمارهما بين 16 و20 عامًا بأبو النمرس بمحافظة الجيزة، على الانتحار تخلصًا من جحيم الحياة تحت حكم العسكر.

وكشفت تحريات الإدارة العامة لمباحث الجيزة، عن أن “إسلام. أ. خ. م” في العقد الثاني من عمره بقرية منيل شيحة، تخلص من حياته شنقا بسبب فشله في الحصول على فرصة عمل، وأن والده حبسه في المنزل لمدة أسبوع لكثرة مشاكله مع الجيران، قبل الواقعة أخبر والدته أنه سيدخل غرفته لأخذ قسط من الراحة قائلا: “داخل أريح شوية يا أمي”، وبعد دخوله فى غرفته شنق نفسه بواسطة بنطال ثبته في مسمسار بغرفته.

كما أشارت التحريات إلى أن الشاب الثاني البالغ من العمر 16 عامًا بقرية نزلة الأشطر، وصل إلى المستشفى جثة هامدة بعدما شنق نفسه؛ بسبب مروره بأزمة عاطفية، بعدما رفض أهله زواجه من ابنة خالته؛ لأنه يصغرها في السن وغير مناسب لها لكونه لا يعمل. لم يتقبل الشاب الرفض، فعاد إلى منزله وشنق نفسه بحبل غسيل، تركا رسالة كتب فيها: “انتي الوحيدة اللي حبيتها طول عمري، وسامحوني.. أنا بحبك يا آية، وعايزك تسامحيني انتي وأبويا وأمي وأصحابي”.

صور من انتحار المصريين

وفي 7 ديسمبر 2019 انتحر طالب مصري (19 سنة) شنقًا في حيّ فيصل بمحافظة الجيزة، بسبب مروره بضائقة نفسية ومادية، وفي اليوم الذي سبقه، انتحر رب أسرة (49 سنة) في مدينة كفر الشيخ (شمال)، من خلال تناول عقار مميت؛ بسبب مروره بضائقة مادية تمنعه من تجهيز ابنته العروس، وفي اليوم ذاته، انتحرت ربة منزل أربعينية في محافظة المنوفية، بتناول 3 أقراص من عقار قاتل بعد معرفتها بزواج زوجها المغترب عليها.

وفي 5 ديسمبر، انتحر شاب بإلقاء نفسه من الطابق العاشر لبناية يسكن فيها بمدينة حلوان جنوبي القاهرة، بسبب مروره بضائقة مادية، وانتحر طالب في كلية الهندسة بإلقاء نفسه من أعلى برج القاهرة، يوم السبت 30 نوفمبر الماضي، تلاه انتحار شاب آخر في اليوم التالي، بإلقاء نفسه تحت قطار مترو الأنفاق في محطة أرض المعارض بمصر الجديدة.

معدلات مرعبة

وأعلن جهاز التعبئة العامة والإحصاء التابع لحكومة الانقلاب ارتفاع معدل البطالة إلى 7.8% في الربع الثالث من العام الحالي، مقارنة بنحو 7.5% في الأشهر الثلاثة السابقة، مبينًا أن حجم قوة العمل بلغ في المدن 12.3 مليون فرد، وفي الريف 16 مليون فرد.

وحول معدلات الانتحار في 2015، أكدت منظمة الصحة العالمي وقوع مصر بالمرتبة 96 عالميًّا، ورصدت المنظمة، والمركز القومي للسموم، أن عدد المنتحرين سنويا تجاوز 4250 منتحرًا أغلبهم بين الثلاثين والأربعين.

وفي أبريل 2016، أكدت صحيفة “نيويورك تايمز”، أن معدلات الانتحار بمصر بلغت 4200 حالة سنويا، في ظل انتشار الفقر والبطالة ووجود نحو 45 بالمئة من المصريين تحت خط الفقر.

ورغم أن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء رصد زيادة كبيرة بأعداد المنتحرين وأنها قفزت من 1160 حالة في 2005، إلى نحو 5000 في 2015، أكدت وزارة الداخلية أن معدلات الانتحار الموثقة رسميًّا لم تتجاوز حاجز 310 حالات سنويا، وسط انتقادات حقوقية بعدم شفافية الأرقام والتعتيم وغياب الشفافية وضعف حرية تداول المعلومات بمصر.

وذكر تقرير نسبه موقع “فرانس 24” لمنظمة الصحة العالمية أن مصر تفوقت على الدول العربية التي تشهد نزاعات مسلحة وحروبا أهلية حيث شهدت 3799 حالة انتحار في عام 2016م.

مليون مصري مصابون بالاكتئاب

وفي محاولة لإبعاد المسئولية عن نظام العسكر، تتهم فضائيات وصحف النظام مرض الاكتئاب بالتسبب في تفاقم الظاهرة، لكن ذلك يمثل أيضًا اتهامًا للنظام وليس تبرئته؛ كما أن ذلك لا يقدم تفسيرًا لأسباب الاكتئاب، خصوصًا إذا علمنا أن هناك أكثر من مليون مصري مصابون بالاكتئاب، بحسب منظمة الصحة العالمية، ويكون الأمر أكثر خطورةً إذا علمنا أيضًا أن 16 مليون مصري مصابون بأمراض نفسية وفق أرقام صحيفة اليوم السابع الموالية للنظام.

وتتنوع الوسائل التي يستخدمها المصريون في الانتحار، ما بين الانتحار شنقًا أو بالقفز من مكان عال، سواء من شرفة المنزل أو مبنى عال كبرج القاهرة أو بتناول قرص سام لحفظ الغلال أو مبيد حشري، أو إطلاق النار، أوالغرق في مياه النيل أو فروعه أو بإشعال النار أو بقيام المنتحر بالطعن بالسكين أو كتم النفس ببلاستر، أو إلقاء نفسه أمام قطارات السكة الحديد والمترو، والبعض يوثق لحظة الانتحار عبر حسابه الشخصي على موقع التواصل الاجتماعي.

وبات لا يمر يوم في مصر من دون واقعة انتحار جديدة، فمنذ بداية العام الجاري شهدت البلاد سلسلة من وقائع الانتحار، ضحايا معظمها من الشباب، وبين الأسباب المتواترة تردي الأوضاع المعيشية، وارتفاع نسبة الفقر، وزيادة معدل البطالة.

Facebook Comments