تمر اليوم ذكرى استشهاد الأستاذ محمد مهدي عاكف، المرشد العام السابق لجماعة الإخوان المسلمين ومرشدها السابع، وهو أحد المربين العظام في العالم المعاصر، فكان رجلا بذل حياته لله مربيا وعاملا لدينه ودعوته، إنه شيخ الدعاة والمربين.

وعن آخر ما عرف من مآثرة، ما كتبه د.أحمد محمد مرسي، نجل الرئيس الشهيد، عنه في 22 يونيو الماضي، وذكر أنه لدى حمله جثمان والده للدفن في مقابر المرشدين بمدينة نصر، وجدوا جثمان الأستاذ المجاهد الصامد عاكف كما هو لم يتبدل ولم يتغير، وهي ميزة يكتبها الله للشهداء في سبيل دينه.

وكيف لا وهو من ختم حياته بإباء إلا أن يلقى ربه وهو خلف قضبان الظلم يوم 22 سبتمبر 2017 دون جنازة ودون صلاة عليه، فقد دفن فجرا وسمح فقط لـ4 أفراد بدفنه والصلاة عليه.

أثره وعمله

أما آخر مشاهده فكانت تربية كما تقول عنه “‏@afzzt”، “فى ذكرى وفاة مهدي عاكف تعلمت منه أن لا نفاق للحكام إن أحسنوا فهذا عملهم، وإن خانوا نققف أمامهم بكل ثبات”.

ومن بعض كلماته التي حفرت نفسها عرائس من شمع فإذا مات أصحابها دبت فيها الحياة، يقول عاكف: “‏إن الواقع يشهد أن العمل الجماعي هو المثمر، فاليد الواحدة لا تُصفِّق، والمرء قليلٌ بنفسه كثيرٌ بإخوانه، ضعيفٌ بمفرده، قويٌّ بجماعته”.

أما أثره هذا فقد وصل الشرق والغرب، حتى إن ابن موريتانيا محمد المختار الشنقيطي يتذكره اليوم بعد مرور عامين على استشهاده بالإهمال الطبي في سجون العسكر فيقول: “تمر اليوم ٢٢ سبتمبر ذكرى استشهاد الشيخ الصابر الجاهد المجاهد مهدي عاكف الذي طالما ذكّرتني صورته هذه وهو بين أيدي عبيد السيسي الفاشيين، بصورة الشيخ عمر المختار وهو في أيدي عبيد موسوليني الفاشيين”.

وهو الأب ليس فقط لعلياء محمد مهدي، ولكن لوفاء مشهور ابنة الأستاذ مصطفى مشهور مرشد الجماعة الخامس، وهي ترثيه في ذكرى وفاته قائلة: “رحل المجاهد المربى الأب الحنون أستاذنا الفاضل.. الأستاذ محمد مهدى عاكف فى مثل هذا اليوم.. لقد قالها من أعماق قلبه: أنا مش خايف من الموت .. أنا خايف على مصر .. تشهد مصر بل كل مكان ذهب إليه بجهاده وعطائه..اللهم تقبله من الشهداء”.
‏‏

شيخ المجاهدين

وكما أن شيخنا عاكف مر بسجون الظالمين منذ الملك فاروق مرورا بعبد الناصر والسادات ومبارك ووصلا للسيسي، إلا أنه أيضا جاهد الفاسدين والإنجليز فكان جهاده سببا في طردهم عن مصر، والصهاينة والخائنين، فأبى أن يكتب استرحاما لعبد الناصر الذي حبسه عشرين سنة، من (1954-1974) أو للسيسي الذي حبسه حتى وفاته بين جنبات الزنزانة أن يفرج عنه وهو في مرض الموت تحتجزه سلطات الإنقلاب في القصر العيني، لا لتهمة إلا الوطنية وحب الدين.

رغم أن المقربين من الحقوقيين اليساريين طرحوا العفو عنه ضمن أحاديث قوائم العفو الرئاسي التي أعلن عنها عبدالفتاح السيسي آنذاك، غير أنه في أكثر من مرة أكد القائمون على تلك القوائم عدم وجود قيادات إخوانية من ضمن المرتقب الإفراج عنهم.

مرض واعتقال

وكانت أسرة «عاكف» ومصادر إخوانية متطابقة، قد تحدث عن مرضه بالسرطان في شهر مايو 2017، وسط مناشدات من وقتها بإطلاق سراحه، نظراً لكبر سنه 89 عاماً، وتأخر حالته الصحية، وذلك بمحبسه في ليمان طرة.

وكان الأستاذ عاكف، محبوسا على ذمة قضية واحدة وهي أحداث مكتب الإرشاد (المكتب الرئيسي لجماعة الإخوان) في منطقة المقطم وحصل على حكم بالمؤبد وألغته محكمة النقض في يناير 2017، وأعادت محاكمته من جديد.

وتقدمت هيئة الدفاع عنه مؤخرا بطلب لإخلاء سبيله على ذمة قضيته في ظل تدهور صحته وتقدم عمره، وذلك في جلسات أخيرة أمام القاضي محمد شيرين فهمي، الذي ينظر قضيته، فيما رفض الطلب.

واعتقلت مليشيات الانقلاب الأستاذ عاكف، ضمن أوائل من تم اعتقالهم، من قيادات جماعة الإخوان المسلمين،  بعد الانقلاب على الرئيس الشهيد محمد مرسي، أول رئيس مدني منتخب ديمقراطيا في البلاد، بعد سنة من حكمه.

وفي سبتمبر 2013، ومع تدهور صحته، نقلت وزارة الداخلية عاكف إلى مستشفى المعادي العسكري، للخضوع لفحوصات طبية فقط، وقررت إعادته إلى السجن في 25 يونيو 2015 مرة أخرى، وفق رئيس هيئة الدفاع عبد المنعم عبد المقصود وقتها.

نوع خاص من الرجال

تقرأ على صفحة وجهه تاريخ مصر على امتداد تسعة وثمانين عاما (1928م – 2017م).. تاريخ من نوع خاص حافل بالكفاح والمعاناة والصمود الأسطوري، تاريخ لطالما سعى الاحتلال القديم والحديث عبر أذنابه محوه وتشويهه ووصمه بكل نقيصة وجريمة.

وتعددت ألقابه فهو شيخ المعتقلين، وسجين كل العصور، وأكبر سجين سياسي عمرا في العالم، وهو من قضى أكثر من نصف عمره خلف قضبان السجون.

لأنه –بحسب قناة دعوة- يمثل ملحمة كفاح ضد احتلالهم لبلادنا وغرس مشروعهم البغيض في كل شبر منها. تقرأ في نظرات عينيه ثقة عميقة بالله عز وجل وتلمح في ثغره ابتسامة الرضا مع مواصلة النضال بعزم لا يلين حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا.

وتزيد عنه أنه ذلك المعدن الفريد من الرجال قرر منذ صباه تقديم حياته فداء لتحرير بلاده من الإحتلال وأذنابه، ولم يتوقف عن الكفاح حتى بلغ من الكبر عتيا خلف قضبان الطغاة.

سبعة وسبعون عاما قضاها مع تلك الجماعة المباركة ظل خلالها في مقدمة الصفوف قريبا من مؤسسها الإمام البنا ثم المرشدين الخمسة الذين سبقوه.. ثم المرشد السابع الذي تلاه الدكتور محمد بديع، شارك خلالها في مواقف وأحداث مهمة ومحورية

تاريخ نضالي

الأستاذ محمد مهدي عثمان عاكف المولود في21 يوليو 1928م في قرية كفر عوض السنيطة مركز أجا ـ دقهلية بدأ تعليمه بالمنصورة وعندما التحق بالجامعة انتقل إلى القاهرة مع والديه وإخوته (عشرة من الإخوة والأخوات)، وكان ذلك عام 1940م وهي السنة التي عرف فيها جماعة الإخوان المسلمين.

واعتقل عبد الناصر الأستاذ عاكف في أول أغسطس 1954، وهو من سلم نفسه بدافع احترامه لكلمته، وأُتهم آنذاك بتهريب عبد المنعم عبد الرؤوف، أحد قيادات حركة الضباط الأحرار بالجيش التي قامت بثورة يوليو 1952، وهو الضابط الذي حاصر قصر رأس التين المتحصن فيه الملك فاروق وأشرف على طرده.

وحُكم على المرشد السابع للإخوان بالإعدام، ثم خفف الحكم إلى الأشغال الشاقة المؤبدة فقضى 20 عاما كاملة بالسجن وأفرج عنه في عهد السادات عام 1974.

وفي شتاء 1995 بلغ التوتر في العلاقة بين الإخوان المسلمين والحكومة مداه فشنت الأخيرة حملة اعتقالات طالت الكثير من جيل الوسط بالجماعة وقدمتهم للمحاكمة العسكرية في مسلسل استمر أكثر من خمس سنوات.

ومثل أمام المحكمة العسكرية سنة 1996، وحكم عليه بالسجن ثلاث سنوات، ليخرج عام 1999.

Facebook Comments