تنتمي مشاهد اقتحام وإغلاق والتحفظ على العاملين في موقع “مدى مصر” إلى ذلك النوع من الدراما الكابوسية، أو الكوابيس الدرامية، التي جرى تدشينها في ليل الثالث من يوليو/ حزيران 2013.

في تلك الليلة، المؤسسة للحظة الراهنة، وقف قائد الإعلان العسكري معلنًا خطته للمستقبل، بينما كانت قوات الأمن تقتحم مقرات عدد من الصحف والقنوات التلفزيونية، وتعتقل العاملين فيها، وتقتادهم إلى السجن، بعضهم لم يخرج منه حتى الآن.

كان ذلك بمثابة إظهار عين النظام الحمراء في وجه كل من تسول له نفسه رصد الأحداث بعين أخرى، تخالف رواية النظام الصاعد فوق الدماء والأشلاء، ليستعيد الإعلام المصري حالة تنتمي بالكلية إلى مرحلة الستينيات، حيث لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، واستثمارًا في اللوثة التي انتابت الجميع، فرحًا بالتخلص من شريك الثورة اللدود، الذي صار خصمًا، لا بأس من انتهاكه وسحقه، تحت تأثير مخدر “الحرية بتتولد”.

بعد أن تبدد الغبار، وانقشع الدخان المتصاعد من جثث الخصوم المحترقة في ميداني رابعة العدوية والنهضة، أفاق قليلون على فداحة آثار الكابوس المزعج، ومن هؤلاء كان أصحاب موقعي “مصر العربية”، و”مدى مصر”، اللذين حاولا الانحياز، قدر الاستطاعة، لمعايير مهنية وإنسانية في التعاطي مع الواقع السياسي والاجتماعي في مصر، وسط محيط هادر من إعلام يتغذى على الدماء، ويتحرى الدفء في أحضان السلطة، وإشعال النار في “الأغيار” فاستحق الموقعان اللعنة والعقاب.

قبل 19 شهرًا، وتحديدًا في أبريل/ نيسان 2018 بدأت السلطة بالتهام موقع “مصر العربية” واعتقال رئيس تحريره الزميل عادل صبري، بعد عملية اقتحام مروّعة، لم تحرك معها نقابة الصحافيين ساكنًا، فيما بدا حاكمدار الإعلام، الجنرال مكرم محمد أحمد، راضيًا ومباركًا للعملية، مكتفيًا بنكتة سمجة تقول إنه تم إغلاق الموقع والتحفظ على مقره، لأنه لم يدفع غرامة قدرها خمسون ألف جنيه مصري، عقابًا على نشر تقرير مترجم عن صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية يتحدث عن رشى انتخابية أثناء ما تسمى “انتخابات رئاسية”.

واليوم يأتي الدور على “مدى مصر” في عملية أكثر ترويعًا، تسلك فيها السلطة مثل عصابة أو ميليشيا مسلحة، ليست في حاجة إلى إعلان مسوغات، ولو كاذبة، لإخراج عملية الاقتحام والمصادرة والتحفظ والاعتقال، على نحو يحسب حسابًا لرأي عام دولي، أو محلي، أو انتقادات منظمات وهيئات معنية بحرية الصحافة، والتعبير، إذ لم يعد أحد في السلطة يقيم وزنًا لكل ذلك، سواء على صعيد حرية التعبير، أو الحق في الحياة، كما هو الحال في مأساة عائشة خيرت الشاطر، وغيرها من عشرات المواطنات اللاتي يتعرضن للاغتيال في السجون.

الشاهد أننا لا نزال نعيش امتدادات وارتدادات تلك اللحظة البائسة التي بدأت مع لوثة التصفيق لإعلان وزير الدفاع المنقلب “خطة المستقبل” على وقع هتاف صاخب “الحرية بتتولد”فيما كانت تدور آلة المصادرات وإغلاق القنوات الفضائية والصحف المؤيدة للرئيس الذى تم عزله.

يومها قلت إنني “أخشى لو استمرت الحرية تتوالد بهذه الوتيرة فلن يبقى فى مصر مكان لصوت أو قلم ينطق بما يغضب السادة أصحاب المستقبل”.

في ذلك الوقت، أصيب المغردون دفاعا عن حرية الإسفاف والبذاءة بالخرس، فلم نسمع لهم صوتاً ولا همساً ضد عمليات الاعتقال والمصادرة التى دارت على نطاق واسع ، والأكثر رداءة أن منهم من بررها بحجة أنها إجراءات استثنائية مؤقتة، وهم أول من يعلم أن الاستثنائي في بلادنا يصبح مقيماً وأبدياً فى مثل هذه الثورات المدرعة.

Facebook Comments