يواجه الصحفيون منذ الانقلاب الدموي، بقيادة عبد الفتاح السيسي فى 3 يوليو 2013، حياة مريرة وانتهاكات قاسية بشكل غير مسبوق فى التاريخ المصري، فممارسة مهنة الصحافة فى زمن العسكر وفى ظل أجواء خانقة لا مكان فيها للحريات والتعددية مآلها غياهب السجون والتشريد والإخفاء القسري أو البطالة والجوع .

والآن وبعد مرور ما يقرب من 7 سنوات على الانقلاب الدموي، فإن عشرات الصحف والفضائيات أُغلقت، ومئات المواقع الإلكترونية حُجبت، وآلاف الصحفيين تم تشريدهم وانضموا إلى صفوف العاطلين، والمئات اعتُقلوا بدون جريمة إلا أنهم حاولوا التعبير عن بعض القضايا والكتابة عنها بحرية وأداء دورهم فى تبصير الرأي العام .

لم تقتصر جرائم السيسي عند هذا الحد، بل أصدر قوانين وتعديلات لقوانين الصحافة والإعلام، وأنشأ تنظيمات جديدة كالمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، والهيئة الوطنية للصحافة، والهيئة الوطنية للإعلام، وكلها تنظيمات هدفها خنق حرية الصحافة والإعلام، ويتولى مسئوليتها المطبلون والآفاقون والانقلابيون، وكلهم يعملون تحت إشراف جنرالات العسكر الذين لا يفقهون شيئًا، ولا يعرفون التفرقة بين “الألف وكوز الدرة” كما يُقال فى الأمثال الشعبية .

فى هذا الجو الخانق جاء اقتحام موقع “مدى مصر”، واعتقال الصحفى شادى زلط من منزله وبعض صحفيي الموقع.

وقال موقع “مدى مصر”، فى بيان عاجل، إنه تم إلقاء القبض على زلط من منزله في الساعات اﻷولى من فجر أمس السبت، حيث طرق أربعة ضباط أمن في ملابس مدنية باب منزل شادي حيث يعيش مع زوجته وابنته. وقال الضباط إنهم حضروا من أجل شادي دون أن يفصحوا عن هوياتهم أو يظهروا أمر ضبط وإحضار.

من جانبها، أعربت منظمة “مراسلون بلا حدود” عن قلقها على حرية الإعلام في مصر بعد مرور سنوات على ثورة 25 يناير2011، وأكدت أن البلاد تحولت “إلى إحدى أكبر السجون للصحفيين في العالم”.

وأشارت المنظمة إلى أن عددًا من الصحفيين قتلوا منذ الانقلاب ولم تقم السلطات بأية تحقيقات جدية للكشف عن المسئولين.

وأكدت “مراسلون بلا حدود” أن حكومة السيسي تستهدف منذ 2013 الصحفيين، بزعم الاشتباه بأنهم مقربون من “الإخوان المسلمين”، وأن العديد منهم يقبعون في السجون دون محاكمة، في حين تُهدد الآخرين بعقوبات السجن المؤبد في محاكمات جماعية “جائرة”.

سجناء رأي

وأكد خالد البلشي، عضو مجلس نقابة الصحفيين السابق، أن الفترة الحالية هي الأشد سوءا في أوضاع الصحافة والصحفيين والانتهاكات التي يتعرضون لها، وكذلك هي أسوأ أوضاع يمر بها الإعلام من محاولات للسيطرة عليه.

وأشار البلشي، فى تصريحات صحفية، إلى أن لجنة الحريات والدفاع عن الصحفيين رصدت في آخر تقرير لها، أن عدد الصحفيين المعتقلين والذين يمارسون مهنة الصحافة يزيدون على 60 صحفيا، لافتا إلى أنه تم اعتقال عدد من الصحفيين بالفترة الأخيرة ولم يتم حصرهم بالتقرير .

وأضاف: البعض يوثّق العاملين بالمؤسسات الإعلامية على أنهم صحفيون، لكن الواقع أنهم سجناء رأي ومواطنون صحفيون؛ فالصحفي هو من يمارس مهنة الصحافة .

وأعرب البلشي عن أسفه؛ لأن دور نقابة الصحفيين غائب تماما، وهناك تنصّل غريب في الدفاع عن الزملاء المعتقلين، منتقدا تصريحات النقابة التى تقول إنه لا يوجد صحفيون معتقلون، ولا سجناء رأي بمصر، وهو ما يخالف التقارير التي أصدرتها لجنة الحريات بالنقابة من قبل .

وشدد عضو مجلس نقابة الصحفيين السابق، على أن النقابة لا تمارس الحد الأدنى من دورها وهو الدفاع عن أعضائها، قائلاً: ولا ننتظر منها هذا الدور .

ولفت إلى أن هناك جهودا فردية من عدد من الصحفيين للتضامن مع زملائهم المضربين عن الطعام بمقرات اعتقالهم، حيث يتعرضون لانتهاكات أبرزها أنهم تجاوزوا فترة حبسهم الاحتياطي ومع ذلك يتم التجديد لهم.

وأشار البلشي إلى أن هناك عددًا من الصحفيين تجاوزوا فترة حبسهم الاحتياطي ولم يُحالوا إلى محاكمات بعد، لافتا إلى أن عددا من الصحفيين المعتقلين يعانون أوضاعا صحية شديدة السوء ويحتاجون إلى العلاج ولم يحصلوا عليه.

وقال إنهم يطالبون بالبديهيات والأساسيات فيما يتعلق بالإفراج عن الصحفيين المعتقلين وعدم تجاوزهم فترات حبسهم الاحتياطي وتقديم الرعاية الصحية لهم. وتابع: “نقول طبقوا القانون الجائر؛ فما نطالب به بديهيات ولم نطالب مثلاً بقضايا حرية النشر التي باتت رفاهية الآن .

وأوضح البلشي أن جبهة الدفاع عن الصحفيين، تتضامن مع الصحفيين المعتقلين وتطالب بحقوقهم، لافتا إلى أن التجارب أثبتت أن معظم المعتقلين يقضون شهوراً وسنوات رهن الاعتقال، وبعد ذلك يحصلون على براءات .

تكميم الأفواه

وقالت سلمى أشرف، مسئولة الملف المصري بمنظمة هيومن رايتس مونيتور، إن المنظمة رصدت اعتقال مئات الصحفيين بالسجون المصرية منذ أحداث 3 يوليو 2013 وحتى الآن.

وأشارت أشرف، فى تصريحات صحفية، إلى أن الصحفيين فى عهد السيسي يواجهون سياسة تكميم الأفواه؛ فلا تكاد تجد صحفيًّا يكتب عن مواضيع سياسية يعبر فيها عن رأيه أو ينقل آراء المواطنين بحرية إلا وجدته خلف القضبان.

ولفتت إلى أن سلطات الانقلاب تستهدف الصحفيين بهدف إيقاف إيصال الحقيقة للعالم وتقويض حرية الرأي والتعبير، مشيرة إلى أن الإعلام هو أحد الأدوات القوية لنقل الصورة عن حقيقة ما يجري في البلاد التي يهيمن عليها حكم عسكري مثل مصر .

وتابعت أشرف: لا يعتقل فقط من يكتب في السياسة إنما يعتقل كل من كان له رأي مؤثر ومستقل، وقد تتجاوز فترات الحبس الاحتياطي السنتين وأكثر مثلما حدث مع الصحفي هشام جعفر .

وأشارت إلى أن هشام جعفر وغيره اضطروا للدخول فى إضراب عن الطعام اعتراضا على الانتهاكات الجسيمة التي يواجهونها، مؤكدة أن السجن يهدف إلى كسر إرادة الإنسان في التعبير عن رأيه وممارسة حقه فيها.

وكشفت مسئولة الملف المصري بهيومن رايتس مونيتور، عن أنّ نظام السيسي يمنع الصحفيين المعتقلين من التواصل مع العالم الخارجي أو من زيارات الأهالي، وتصادر الأقلام والأوراق؛ وهذا انتهاك جسيم لأبسط حقوقهم في حرية الرأي والتعبير وحقوقهم كسجناء .

البطالة والتشريد

ويواجه آلاف الصحفيين البطالة بعد إغلاق صحفهم أو فصلهم عن العمل، وتكونت رابطة للعاملين بالصحف الحزبية التى أُغلقت وأصبح صحفيوها فى عدد العاطلين، ويطالب هؤلاء بتوزيعهم على الصحف القومية أو تخصيص إعانة بطالة لهم، إلا أنَّ نقابة الصحفيين لا تستجيب لمطالبهم، وهو ما اضطرهم لتنظيم عشرات الاعتصامات والوقفات على سلالم نقابة الصحفيين يطالبون فيها بمنحهم فرصة عمل من أجل أسرهم وأبنائهم.

وقال “محسن هاشم”، المتحدث باسم العاملين بالصحف الحزبية المتوقفة، إنهم يطالبون منذ سنوات بـ4 مطالب؛ تتمثل في تشغيل الموقع الإلكتروني الخاص بالصحفيين الحزبيين وتقنين وضعه، وصرف الرواتب المتأخرة، واستمرار صرفها بشكل مستمر، وعمل تأمينات اجتماعية ومعاشات للعاملين بالصحف الحزبية المتوقفة، بالإضافة إلى كتابة عقود عمل جديدة خاصة بالموقع الجديد ”خبر”.

وأوضح “هاشم”، فى تصريحات صحفية، أن 230 صحفيًّا وصحفية، طالتهم أزمة إغلاق الصحف الحزبية، بالصحف الحزبية التي توقفت عن العمل منذ 9 سنوات وهى (العربي– الأحرار – الجيل – شباب مصر– الغد – ….إلخ). وتابع أنه على مدار 6 نقباء للصحفيين، لم يستطع أي نقيب حل أزمة الصحفيين الحزبيين.

واستطرد هاشم أن نقيب الصحفيين وعد بإنشاء موقع إلكتروني يحمل اسم “الخبر”، ليعمل فيه الصحفيون الحزبيون، لافتًا إلى أنه بالرغم من تأسيس مقر خاص بالموقع في منطقة السيدة زينب، إلا أنهم لم يعملوا فيه حتى الآن.

وأضاف أنه على مدار 9 سنوات، لم يحصل أي صحفي على راتب أو تأمين أو معاش، فضلًا عن وفاة 15 صحفيًا حزبيًا، ولم يتم صرف أي شيء لهم.

واتهم هاشم، نقابة الصحفيين بتجاهل مشكلتهم، موضحًا أنه بالرغم من متابعتها لأزمة الصحف الحزبية منذ بدايتها، إلا أنها لم تفعل شيئًا بل تُساعد في تعقيد الأمور.

ونوه هاشم إلى أن وزارة المالية خصصت مبلغ 20 مليون جنيه وديعة لصالح العاملين بالصحف الحزبية المتوقفة منذ 9 سنوات، وأن فوائدها تخطت حاجز الـ750 ألف جنيه، إلا أنه حتى الآن لا يريد أحد أن يقوم بتوزيع الأموال على الصحفيين الحزبيين، لافتًا إلى أنهم يبررون ذلك بأنها أموال النقابة، في حين أنه تم تخصيصها لصالح الصحفيين الحزبيين من قبل وزارة المالية.

جهاز رقابي

وبالنسبة لكبت الحريات والقمع، لم يتحمّل السيسي الانتقادات الموجهة لنظامه عبر وسائل الإعلام، ومن ثم كان البحث عن حل لإسكات الأصوات غير الموالية وإخماد المنصات التي لا تدين بالولاء الكامل، وعلى الفور كان التفكير في إنشاء جهاز رقابي على منظومة الإعلام.

وفي 11 أبريل 2017، أصدر السيسي قرارًا بتشكيل المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، برئاسة أحد أبرز مؤيديه في الإعلام، نقيب الصحفيين الأسبق مكرم محمد أحمد، وعضوية 12 آخرين.

وتعددت صلاحيات المجلس بصورة تجاوزت صلاحيات وزارة الإعلام في السابق، ووصلت إلى حد غلق قنوات ومنع برامج ومعاقبة إعلاميين، وبات المجلس الأداة التي من خلالها تعيد سلطات الانقلاب تشكيل الخريطة الإعلامية وفق ما يتراءى لها، فمن يلتزم بالخيط المرسوم وينفذ ما يملى عليه من تعليمات فهو المقرب المدعوم حتى إن خالف معايير المهنية، وعلى العكس من فكر في التغريد خارج السرب ولو من باب حفظ ماء الوجه وإن كان مؤيدًا وداعمًا، فسيكون العقاب مصيره أيًا كانت مهنيته.

وفي ظل الضبابية التي يعاني منها المشهد الإعلامي تمزقًت الخريطة الإعلامية في شتى جوانبها، حتى باتت ثوبًا مهلهلاً لا يسلم كل من يرتديه من سهام التنكيل والتوبيخ، وتشير التقارير إلى أن هناك ما يقرب من 92 صحفيًا وإعلاميًا داخل السجون والمعتقلات بتهم تتعلق بمهام وظيفتهم أو آرائهم السياسية بجانب نحو 513 انتهاكًا ضد الصحفيين والإعلاميين أثناء تأدية عملهم تم رصدها خلال عام واحد في الفترة من 3 مايو 2016، إلى 3 مايو 2017، حسب مرصد “صحفيون ضد التعذيب”.

فيما كشفت مؤسسة حرية الفكر والتعبير المعنية بالدفاع عن حريات الصحافة، في تقرير لها، عن حجب ما يزيد على 500 موقع منذ مايو 2017 وحتى الآن دون مبررات، أسفر عن تشريد الآلاف من العاملين فيها، بخلاف زرع الموالين للنظام داخل تلك المنظومة من العسكريين السابقين، كما حدث مع المتحدث العسكري السابق للقوات المسلحة محمد سمير الذي تولى إدارة قنوات “العاصمة”.

Facebook Comments