تستحق المقاومة ذات المرجعية الإسلامية من أصحابها أن ينظروا إلى كل شعيرة ومنسك تعبدي في حياتهم بذهن مستفسر متسائل يبحث داخل تلك الشعيرة عن معنى يهذبه ويغذيه في طريقه الرافض للاستبداد والباحث عن بناء مجتمعات العدالة والإحسان.

فما أحوجنا أن نمارس الاستقراء لما يتصل بالشعائر المباشرة باحثين داخلها عن كل ما يقدم يد العون لطريق الجهاد والمقاومة ورفع الظلم والعمل من أجل ترسيخ العدل وبناء المرحمة والود بين العالمين.

إن العبادات أحرى بها أن تشتمل علي لوحة تحكم يضبط إيقاع الحركة لصاحبها ليس فقط من حيث الدوافع والأهداف، وإنما كذلك من حيث المناشط والإيقاعات المؤداة بها الأعمال.

يمكننا تتبع ثلاث من المساحات التي تترك فيها العبادات أثرا واضحا، واستخدام تلك المساحات كوحدات للتحليل في العلاقة مع مناشط المقاومة ومهماتها.

وأولى تلك المساحات هي العلاقة داخل النفس الإنسانية تلك التي لا تنفك تبحث في رحلة حياة الإنسان عما يسعدها ويجلب لها الطمأنينة والأمن والقرار والسكينة، وما شعائر الصلاة والزكاة إلا تأسيسي لتلك الطمأنية الوارفة وجلبا لها من أركان الحزن والألم والفقد والحيرة وسائر تأوهات الحياة ومكابدها خاصة في طريق الجهاد والكدح والمقاومة.

وعلى مستوى علاقة الإنسان بربه، فما الشعائر سو ى إشارة وتجلية وإفصاح عن تلك الهوية التي قد تتخفى في غمار معارك الحياة وتواليها بحيث تحتجب في مقابل ظهور وحضور قوي لدواعي الأثرة والكبر والفصيل والتيار والحزب والدولة.

تأتي الشعائر المخلصة لتجدد تلك الهوية التي ننطلق منها ونسعى لتأسيس حياة تستند على منهجها وقوامتها.

وتتسع بعد ذلك مساحة العلاقة مع المجتمع المؤسسة على الشعائر لما هو أكبر بكثير مما يتراءى للبعض على عجل، ففي الصلاة إشارات شديدة الوضوح على آلية الوحدة والانتظام والبنيان المرصوص، وهي آليات لا تتحقق إلا بالبحث عن المشترك والتأسيس عليه والانطلاق منه..وهذه الوحدة والتآلف يمتد في الزكاة ليصل كل فرد بغيره سواء على مستوى ذوي الحاجة من أهل المجتمع أو أهل الدعوة من أصحاب الابتلاءات المختلفة، سواء بسواء؛ فيتجدد بذلك تفقد أحوال الجميع ومد يد العون لهم ومصاحبتهم ليس فقط للتسرية عنهم، وإنما لدعم الصفوف بجند منهم كثيف، فتتسع الدوائر وتمتد من داخل الصف العامل، اتصالا بالمجتمع ككل، في تآزر وتراحم وتآلف.

وليست الزكاة وحدها هي ما يحمل معني التضحية والبذل ويؤسس له، بل إن الصلاة كذلك بما فيها من بذل للوقت والجهد والطاقة وسعة النفس في حملها علي الخشوع والخضوع والتدبر، كل ذلك ما يصل بين كل من الصلاة والزكاة في الوصول إلى غاية التطهر والحمل علي بذل صدقة العلم والوقت والجهد، وغيرها من النعم، فتتأصل بذلك قيمة البذل وبقوة، وتترسب داخل الفرد بعد أن اعتاد على حمل نفسه أولا على البذل في الصلاة والزكاة.

إن تأمل الشعائر يتسع لما هو أكثر وأكثر.. فقط العبرة أن تأتيها أنت وقلبك معا فلا تتركه لاهيا غافلا أثناء تأدية تلك العبادات.. وعندها ستجد تلك المعاني ومثلها ويزيد.

Facebook Comments