ربَّما يقول البعض إنه لا داعي للاستياء ممن ينالون حتى الآن من شخص الرئيس الشهيد محمد مرسي، فإن مجرد ذكره يعيد لهم ذكريات عار خيانتهم، ولأن حقبة حكم الرئيس الشهيد كانت مثيرة للجدل، فلم يتوقف هذا الجدل بعد وفاته، وهو ما تجلى في محاولات إعلام الانقلاب الطعن والنيل من سيرة الرئيس الأول وربما الأخير المنتخب ديمقراطيًّا.

خالَفَت- ولا تزال- جميع وسائل إعلام الانقلاب، المقروءة والمسموعة، الحكومية والخاصة، جميع المعايير المهنية المتعارف عليها بالعمل الصحفي، إذ أهملت ذكر صفة مرسي كرئيس، وتكتفي دائما حين يُذكر باستخدام الاسم الثلاثي “محمد مرسي العياط”، في مخالفة جسيمة للعُرف الصحفي الذي يقتضي الإشارة إلى الشخصيات العامة بأسماء شهرتها.

ظلم أكثر من مرة

واعتبر نائب رئيس لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان السابق، د. محمد جمال حشمت، أن من ضمن ما تعرض له الرئيس من ظلم، هو “عدم اتخاذ أي إجراء جاد ضد من أهانه وظلمه أثناء حبسه ثم عمل على قتله ببطء في محبسه، محملا جميع الأطراف مسئولية التخاذل عن ملاحقة المسئولين عما وصفه بـ”قتل مرسي”، ممن اكتفوا بالدعوة للقصاص دون اتخاذ إجراء فعلي”.

فيما رأى رئيس المكتب السياسي للمجلس الثوري المصري، عمرو عادل، أن الخلل في معالجة قضية الرئيس الشهيد مرسي مبنيُّ على التعامل معها باعتبارها حقوقية، رغم كونها بالأساس قضية سياسية تخضع لتوازن القوى ورؤية النظام الدولي لكيفية التعامل معها.

وأكد عادل أن النظام الدولي “غير عادل ويعمل على تحقيق مصالحه وليس تحقيق العدالة”، مستحضرا- كمثال في هذا السياق- سقوط مئات آلاف القتلى في سوريا ومصر، دون الاهتمام المطلوب لدواعٍ إعلامية وسياسية.

ومن ثم يرى عادل أنه ليس من المنطقي تحميل أحدٍ مسئولية ما جرى بحق الرئيس الشهيد مرسي “غير خونة العسكر والنخب المصرية والمنظمات الدولية الرسمية”، معتبرا أن تحميل القوى الثورية المسئولية هو “نوع من الحوَل الأخلاقي والسياسي”.

ولفت إلى إصدار مها عزام، رئيس المجلس الثوري المصري، بالاشتراك مع مكتب محاماة عالمي في بريطانيا، تصريحًا تضمّن المطالبة بتحقيق دولي في وفاة مرسي، وملاحقة المجرمين المتهمين بقتله ومعتقلين سياسيين بالموت البطيء، في المحاكم الدولية.

ينتهي بدبابات!

جدير بالذكر أن المشهد الإعلامي المصري عرف تحولات كبرى منذ انقلاب جنرال إسرائيل السفيه عبد الفتاح السيسي، واستيلائه على الحكم في مايو 2014، بدأ الأمر بالأذرع الإعلامية للسفيه السيسي والممولة من مال المخابرات، وصولًا إلى ترسانة متشعبة القوى تحكم قبضتها الشديدة على الصحافة والصحفيين، ففي مارس 2013 حذر السفيه السيسي بنفسه وسائل الإعلام من أي محاولة للإساءة للجيش، قائلًا إنها توازي الخيانة العظمى، خاصة أن الجيش- على حد قوله – يضحي بنفسه في سيناء ضد داعش!.

ومرت العلاقة بين الصحافة وسلطة الانقلاب في مصر بعدة مراحل، بدأت بمحاولات الاستقواء، مرورًا بالترغيب والترهيب والتحالف، حتى صار الإعلام في النهاية شريكًا مع عصابة الانقلاب في كل ما تقوم به، أما المعارضون فقد أودعوا السجون، فوفقًا لتقرير أعدته منظمة “مراسلون بلا حدود” يوجد في مصر 29 صحفيًا مسجونًا، وتحتل مصر المرتبة الـ163 من أصل 180 دولة في الترتيب العالمي لحرية الصحافة خلال عام 2019.

وأضافت منظمة “مراسلون بلا حدود” أن عصابة السيسي تستهدف الصحفيين منذ عام 2013، والقابعون منهم خلف القضبان لا يحظون بمحاكمات عادلة.

ومن جانبها أكدت مؤسسة الفكر والتعبير المصرية أن الانقلاب حجب أكثر من 500 موقع على الإنترنت من ضمنهم قناة الجزيرة القطرية وموقع مدى مصر الإخباري، كما شمل الحجب منظمات حقوقية مثل الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان ومنظمة “هيومن رايتس ووتش” التي نشرت تقريرًا عن التعذيب في السجون المصرية.

وفي نهاية المطاف تحول المشهد الإعلامي في مصر إلى صوت للعصابة العسكرية، التي تبدأ دائمًا وأبدًا سيطرتها من خلال الإعلام، وهو الأمر الذي سبق وذكره الكاتب الصحفي الراحل محمد حسنين هيكل في كتابه “بين الصحافة والسياسة” الصادر عام 1984، حيث قال: “عندما يضيع الحلم، يبدأ المسار المتاح للأنظمة الاستبدادية العسكرية بمحطة تلفزيونية أو إذاعية، وينتهي بدبابات وطائرات وبنادق”.

Facebook Comments