قد يكون الفيصل في حسم المواجهة بين سلطة الانقلاب والشعب المصري، هي الشعب نفسه الذي يفرض بثورته الكلمة الأخيرة على الجيش والشرطة والدول الداعمة للانقلاب لمصالح تحصل عليها مقابل دعمها بقاء الديكتاتور على الكرسي، ولكن لا يمكن تجاهل دور القوى الأجنبية التي تلعب أدوارًا في مصر، وتتحكم فيمن يصل للكرسي تبعًا لخدمته مصالحها أم لا.

وبرغم محاولات الانقلاب الإيحاء بأن أمريكا تقف مع السيسي، وأن الغرب لا يهتم، وأن السيسي سينجح في وقف الثورة الشعبية بالإجراءات القمعية غير المسبوقة التي وصلت إلى اعتقال سياسيين وأستاذة جامعات وصحفيين ومحامين، وتفتيش هواتف المصريين في الشوارع واقتحام منازلهم، تشير الوقائع إلى أن العالم يدعم الاحتجاجات ويدرك أن حكم السيسي انتهي أو في طريقه للنهاية.

إذ يدرك الجميع أنه من السهل على السيسي وعسكره كبح المعارضة، ولكن من دون معالجة أسباب الاحتجاجات ستستمر وتتعاظم وتنهار البلاد، وقد يصل الأمر إلى ثورة دموية هذه المرة بفعل دفاع الانقلابيين عن مصالحهم (السلطة والثروة)، ودفاع الشعب عن حياته التي حوّلها الانقلابيون إلى جحيم.

وكانت السفيرة الأمريكية السابقة لدى القاهرة، آن باترسون، قد قالت إن الجيش هو من أزاح حسني مبارك من الحكم عام 2011، وهو من أزاح محمد مرسي عام 2013، "وإذا كان ثمة من سيطيح بالسيسي فسيكون الجيش المصري".

مجموعة العمل الأمريكية

فقد دعت مجموعة العمل الأمريكية المعنية بمصر، والتي تشكَّلت في عام 2010، وتضم مجموعة من الخبراء الحزبيين المتخصصين في الشئون الخارجية، المسئولين في الولايات المتحدة والرئيس الأمريكي ترامب، للإعلان بوضوح عن دعم الاحتجاجات السلمية في مصر، وانتقدت لقائه الديكتاتور السيسي ودعم انتهاكه حقوق الإنسان.

وقالت المجموعة، في بيان لها، إن "على الحكومة الأمريكية أن تعلن عن دعمها للاحتجاجات السلمية في مصر، مثلما دعّمت المحتجين في السودان وهونج كونج".

وقالت: "نحذر من أن السيسي قد اعتبر تصريح ترامب الأخير بمثابة ضوء أخضر له لمزيد من قمع المتظاهرين".

وسبق لـ"مجموعة العمل حول مصر" المطالبة بالتحقيق الدولي في وفاة الرئيس الشهيد محمد مرسي، وظروف المعتقلين في السجون المصرية، وطالبت وزير الخارجية الأمريكي بالتحرك للتحقيق في قتل الانقلاب للرئيس مرسي.

ورّد وزير الخارجية الأمريكي قائلا لهم: "أشاركم مخاوفكم بشأن التقارير المتعلقة بالظروف السيئة في مرافق الاحتجاز المصرية، وأوافق على أنه لا ينبغي احتجاز أي شخص- بصرف النظر عن الجنسية أو الادعاءات ضده- تعسفًا أو تعرضه لمعاملة أو سوء معاملة غير عادلة".

كان فريق يضم 11 من أعضاء مجموعة العمل حول مصر The Working Group on Egypt ، قد بعث برسالة إلى وزير الخارجية بومبيو، في 20 يونيو الماضي، يؤكد فيها أن "وفاة الرئيس محمد مرسي في 17 يونيو بمثابة دعوة للاستيقاظ لتجديد الاهتمام الدولي بأحوال المعتقلين المصريين الآخرين الذين تتعرض حياتهم للخطر، ربما يتم إنقاذهم".

المصريون فاض بهم الكيل

ما زالت الصحف الأجنبية تركز على قضية المقاول والممثل المصري المقيم في إسبانيا محمد علي، والذي تحوّل لناشط سياسي، ودعواته لاحتجاجات ضد عبد الفتاح السيسي واتهامه للحكومة بإهدار المال العام.

ولا تعتبر الصحف الأجنبية محمد علي بطلًا، ولكنها تشير إلى أنه لمس وترًا حساسًا لدى الشعب المصري الذي يقع الكثير منه تحت خط الفقر.

ويقول موقع "أوبن ديمكراسي"، إن المصريين فاض بهم الكيل وتدهورت معيشتهم بسبب سياسات السيسي، وأورد بيانات تظهر أن العديد من المصريين ما زالوا يعانون من ظروف بالغة الخطورة، على الرغم من مؤشرات الاقتصاد الكلي الإيجابية الغريبة التي يعلنها الانقلاب.

وبعدما انتقد الأمريكيون ما كشفه مالك صحيفة نيويورك تايمز بشأن تجاهل وتواطؤ ترامب مع محاولة السيسي اعتقال مراسل الصحيفة السابق قبل عامين، كتب المراسل ديكلان والش، الذي كان معرضًا للاعتقال في مصر منذ عامين، بصحيفة نيويورك تايمز: إن موقف الإدارة الأمريكية الحالية من حماية حرية التعبير أصبح واضحًا بشدة بأنه ضد هذه الحرية.

وقال: إن الصحف والصحفيين الأمريكيين يعرفون الآن أنهم لا يمكنهم الافتراض بأن حكومتهم مستعدة لبذل كل ما في وسعها لمساعدة المراسلين في الخارج.

وأشار والش إلى أنَّ ما ساعده هو الحصول على الدعم من مؤسسة إخبارية كبيرة ذات نطاق دولي، وملتزمة بالحفاظ على صحفييها آمنين، وهو دعم غير متوفر للعديد من الصحفيين العاملين في جميع أنحاء العالم.

ويقول الصحفي جاكسون ديل، من هيئة تحرير صحيفة "واشنطن بوست": إن "استعادة الاستبداد الذي كان يفترض أن يعيد الاستقرار السياسي إلى العالم العربي ويفتح الطريق للتحديث الاقتصادي، قد فشلت" ما يشير إلى انتهاء حكم السيسي.

ويضيف أن السيسي تصور أنه يستطيع تقليد نموذج الاستبداد الرأسمالي الذي وضعته وروجت له الصين وروسيا، لكنه فشل في ذلك بسبب الفساد والقبضة الرأسمالية الثقيلة للدولة وانعدام الكفاءة.

دعم ترامب للسيسي لا قيمة له

وطرح مركز "كارنيغي" للأبحاث، ضمن دراساته للأوضاع في الشرق الأوسط، سؤالا: هل دعم ترامب للطغاة العرب ومنهم السيسي مهم حقًّا؟.

ومن بين إجابات قدمها مجموعة من الباحثين، قالت الباحثة المهتمة بدراسة الشأن المصري "ميشيل دنّ": إن "ما تفعله الولايات المتحدة في الشرق الأوسط لا يكون حاسمًا دائمًا، لكنه مؤثر دائمًا".

وأضافت "دنّ"- التي كانت قد تنبَّأت بثورة يناير 2011 في مصر قبل وقوعها- أن "استقبال ترامب للسيسي عشية الاستفتاء الشعبي على التعديلات الدستورية (أبريل 2019) التي تُبقي صولجان السلطة في يده لسنوات عديدة، ربما ساعد على لجم بعض منتقديه في أوساط النخبة المصرية، إلا أنه لن يعني شيئًا في الواقع إذا ما شعر الشعب المصري يومًا ما أن الكيل قد طفح من السيسي".

وكذلك رأى الباحث السياسي، عمرو حمزاوي، الذي قال إن "إجابتي السريعة هي قطعا لا؛ لأن طول عمر الاستبداد وفشل عمليات الانتقال الديمقراطي في العديد من البلدان العربية هما حصيلة قضايا محلية".

وأضاف أن "قيام الإدارة الأمريكية بدعم المستبدين العرب (في السعودية ومصر)، أو غياب هذا الدعم (كما في سوريا) لم يغيّرا المسار الكارثي للأحداث".

ويرى حمزاوي أن "الحقائق السياسية العربية ظاهرة محلية تُغذيها عوامل محلية، أما العوامل الخارجية- بما فيها السياسات الأمريكية- فتحتل مرتبة ثانوية.

وهذه الحقيقة تسحب نفسها على مسألة تأييد الرئيس دونالد ترامب للمستبدين العرب، إذ هو لا يزيد من قدرة المستبدين على الاستمرار، ولا باستطاعته أن يمنع دحرجة رؤوسهم حين تحطم الانتفاضات الديمقراطية استقرارهم السلطوي"

وفي السياق نفسه، تقول الباحثة إيمي هوثورن: إن "الطغاة العرب يحتاجون إلى ما هو أكثر من دعم ترامب كي يمكثوا على كراسي السلطة، فهم- مثلهم مثل المستبدين في كل مكان-يعتمدون غالبًا على الأدوات المحلية التي تشمل السيطرة على القوات المسلحة والشرطة والإعلام ونظم التعليم لتشكيل الرأي العام، وكذلك على موارد الدولة لتمويل شبكات الفساد.

علاوة على ذلك، يعرف هؤلاء كيف يستغلون التهديدات الأمنية والانقسامات المجتمعية لتبرير الحاجة إلى الأمن والنظام، وترسيخ ما يكفي من الخوف أو الاستكانة، لردع معظم المواطنين عن الثورة".

لكنها تستدرك قائلة: "مع ذلك، يعد الدعم من الرئيس الأمريكي قيمة مضافة تمنح الديكتاتوريين شرعية عالمية وفسحة تنفس دبلوماسية، وتمويلا دوليا، وأسلحة تسمح لهم بتمديد أمد حيواتهم السياسية".

ويبدو أن الاعتبار الاستراتيجي الأول الذي يحكم موقف أمريكا مما يجري في مصر كان دائما العلاقة المصرية مع إسرائيل، إذ تحرص واشنطن على إبقاء الوضع في خانة لا تهدد دولة الاحتلال، وهذا هو ما يريده ترامب من السيسي الذي قدم له أكثر مما يريد بشهادة نتنياهو، وذلك على عكس رغبة الشعب المصري الذي حين تتاح له الفرصة سيطرد الصهاينة من مصر كما طردهم من سفارتهم عقب ثورة 2011.

الخلاصة أنَّ الغرب يدرك أن السيسي دوره انتهي، ولكنهم يرتبون حاليًا بحيث لا تنجح ثورة شعبية، وإنما يحدث انقلاب أو تغيير من داخل نظام الانقلاب يضمن استمرار مصالحهم.

Facebook Comments