أدّى، أمس الأربعاء، 16 محافظًا جديدًا اليمين الغموس أمام جنرال إسرائيل السفيه عبد الفتاح السيسي، من أصل 27 محافظًا يتولون مسئولية السيطرة على المحافظات المصرية لصالح الانقلاب العسكري.

ومن بين 16 محافظة، شملت التعينات 11 من لواءات الجيش والشرطة، ولم يختلف الأمر كثيرًا عن الأحوال في بداية الانقلاب عام 2013، عندما تم تعيين 17 لواء من الجيش والشرطة، فيما اعتبره مراقبون وقتها مؤشرًا لما تتجه إليه البلاد تحت قيادة عصابة الانقلاب التي أطاحت بالرئيس الشهيد محمد مرسي.

غلبة العسكريين

ومنذ أعلن السفيه السيسي عن تعطيل الدستور وتعيين رئيس مؤقت، بما يعني عزل الرئيس المنتخب، وهو يسعى للإيحاء بأن الجيش لا يهيمن بشكل مباشر على السلطة السياسية، لكن غلبة العسكريين على حركة المحافظين بهذا الشكل ستقدم بلا شك مؤشرا في الاتجاه المعاكس.

واعتاد المصريون، خلال العقود الثلاثة لحكم الرئيس المخلوع حسني مبارك، على تعيين محافظين ذوي خلفية عسكرية خصوصًا للمحافظات الحدودية، لكن عددهم كان بالكاد يصل إلى العشرة، ثم تقلص العدد إلى ما بين خمسة وسبعة في عهد الرئيس مرسي، قبل أن يحقق هذه القفزة في ظل الطرطور عدلي منصور الذي عينه السفيه السيسي.

وخلال العام الأول من حكم الرئيس الشهيد مرسي– رحمه الله- تزايدت نسبة المدنيين خصوصا من أساتذة الجامعات بين المحافظين، كما شملت الاختيارات منتمين إلى جماعة الإخوان المسلمين للمرة الأولى، وهو ما جرّ انتقادات كثيرة على الرئيس من جانب معارضيه، خصوصا حزب النور، الذراع السلفية للأمن الوطني، الذين رأوا في تعيين أربعة من الإخوان في منصب المحافظ مظهرًا لما وصفوه بـ”أخونة الدولة”!.

ولا يكاد يمر يوم إلا ويظهر وينكشف المزيد من الأخطاء والنتائج الكارثية لعصابة الانقلاب العسكري في مصر، والتي لا تحتاج للكثير من التفكير للوصول إلى نتيجة قطعية بأن هذا الانقلاب جلب لمصر الخراب، ووضع- ولا يزال- على كاهل شعبها ديونًا وقروضا وتبعات يصعب التعافي منها على المدى القريب.

قلب الحقائق

ومع هذا لا ينفك الإعلام الموالي للعسكر عن قلب الحقائق وتزييف الواقع وتصوير الأمور على عكس حقيقتها، ويتم طرح التساؤلات عن جدوى هذا المسلك في ظل توافر مصادر متعددة للمعلومات، ناهيك عن المشاهدة اليومية وعلى أرض الواقع لتبعات تلك القرارات في شتى المجالات، وبالأخص الشق الاقتصادي الذي يمس الأساسيات الضرورية لغالبية قطاعات الشعب المصري، وعن الأسباب لإنفاق مبالغ طائلة وفي اتجاهات متعددة لتجميل وجه الانقلاب القبيح وصنع شعبية زائفة له والتخويف من تبعات سقوطه.

وعمّا تفعله الآلة الإعلامية للانقلاب من الخداع والتزييف، يقول “يوري بيزمونوف”، ضابط الكي جي بي السابق والذي هرب إلى الولايات المتحدة في سبعينيات القرن الماضي: “عرض المعلومات الحقيقية لم يعد له أي قيمة على الإطلاق، الشخص الذي تم غسل عقله لم تعد لديه القدرة على تقييم المعلومات والحقائق، الحقائق لا تعني أي شيء بالنسبة له حتى لو أغرقته بالمعلومات والإثباتات والصور سيرفض تصديقها حتى يتلقى صفعة تزلزل كيانه، عندما تسحقه البيادة العسكرية عندها فقط سيفهم”.

وفضح “يوري بيزمونوف”، الأساليب والطرق التي كان يستخدمها الاتحاد السوفيتي لإسقاط الدول، ويبدو أن العسكر في مصر يتبعون تلك الاستراتيجية في التعامل مع الشعب منذ عقود، عبر تزييف وعيه وإيصاله لمرحلة أصبح فيها يصعب عليه التفريق بين الحق والباطل، والصواب والخطأ، مستخدمين في هذا جوقة من الإعلاميين والمشايخ والفنانين والمثقفين، للسيطرة على الشعب وتزييف وعيه وتغيير ثوابته، وهدم مقدساته، وتقسيمه إلى طوائف تتناحر وتتقاتل فيما بينها.

القوة الوحيدة

يحدث كل هذا بينما تقف عصابة الانقلاب ومؤسساتها الأمنية والعسكرية والشرطية والقضائية التابعة لها متفرجة ومستفيدة من هذا التناحر، الذي يجعله القوة الوحيدة المسيطرة على المجتمع المتحكمة في مصيره، والسعي لدمج الانقلاب متمثلًا في المؤسسة العسكرية والدولة بأكملها في كيان واحد.

كما يجعل غالبية الشعب تقتنع أنه لو سقط وانهار فستسقط الدولة معه، وتتفتت وتضيع، رغم أن الحقائق والشواهد والإثباتات على فساد الحكم العسكري واستبداده متوفرة أمام جميع فئات الشعب، وفي متناول يده عبر وسائل الإعلام المختلفة، غير التابعة للنظام والسوشيال ميديا وعلى أرض الواقع في كافة المؤسسات وحياته اليومية.

التلاعب بالدين

الركائز الفكرية لأي مجتمع تعتمد على الدين والتعليم والثقافة والإعلام، لذلك تسعى عصابة الانقلاب إلى إخضاع تلك الركائز وتطويعها، لتكريس وجهة نظر جنرالات الانقلاب.

لهذا عمل الانقلاب العسكري لإيجاد وتلميع كوادر دينية جديدة، وتطويع القديمة لخدمة المؤسسة العسكرية، وربط الثوابت الدينية بالتيارات السياسية المختلفة، بحيث أصبح التلاعب بنصوص الدين وثوابته لخدمة الانقلاب، أحد أهم أهداف الدعاة والمشايخ، لضمان استمراريتهم وتواجدهم، واستبعاد كل من يحاول الدفاع عن الدين، حتى لو كان من الموالين للانقلاب والداعمين للمؤسسة العسكرية.

وأيضًا دخول الفنانين والمطربين وحتى الراقصات في المجال الديني، بهدف تحويل الدين من القدسية والتبجيل، إلى الهزل والاستهزاء والتنظير، وجعله مستباحا لكل من هب ودب، ومن ليس بأهل للتصدي لأمور الدين والفقه.

أفكار غريبة

عدم الاهتمام بمنظومة التعليم وقصر دورها على تخريج أجيال من الشباب شبه متعلمين، متشبعين بأفكار غريبة عن المجتمع، ناقمة عليه، منفصلة عنه لكنها في نفس الوقت ترى “المؤسسة العسكرية” هي الكيان الوحيد المتماسك والوطني، والقادر على قيادة الدولة والحفاظ عليها!.

العمل باستمرار على استمالة وإبراز الكتاب والمثقفين المغمورين، وتلميعهم وفرضهم على المتلقي، وجعلهم ضيوفاً دائمين على كافة وسائل الإعلام، وإفساح المجال لهم للترويج لأفكارهم، التي تضرب ثوابت الشعب في الصميم، واستهداف جيل الشباب على وجه الخصوص، وسلخه وجرفه بعيدا عن الموروثات التي تربى عليها، من الانتماء لدينه ولثقافته ولأمته العربية والإسلامية، وفي نفس الوقت نجد هؤلاء الكتاب والمثقفين يتبارون فيما بينهم لإرضاء العسكر، وإظهارهم بمظهر المنقذ للشعب الحامي له والمدافع عن الدولة وبقائها.

Facebook Comments