ما يعرفه المصريون ربما يتوقف على شركة الوليد بن طلال السعودية التي استحوذت على أراضي مشروع توشكى لسنوات، بنظام جبر خواطر مبارك للكفلاء الخلايجية السعوديين بشكل خاص.

لكنَّ الجديد الذي تناوله “عمر سمير خلف”، في دراسة بعنوان “الشركات الخليجية والاستحواذ على أراضي المشروعات القومية المصرية”، أعدها “المعهد المصري للدراسات”، قالت إن المشروع الزراعي الأكبر في عهد مبارك اكتشف المصريون أنهم لا يملكون معظم ما ينتجه من قوت ولا حتى أرضه.

وتحدث مبارك في مارس 1997، لدى زيارته مشروع توشكى، بأن الهدف من المشروع إنشاء مجتمع عمراني جديد بحجم الدلتا يقطنه قرابة سبعة ملايين مصري، لكنّ هذه الأهداف لم تتحقق، وآلت الغالبية العظمى من أرض المشروع لصالح الاستحواذات الإماراتية السعودية.

وكشفت الدراسة عن أن الشركات الخليجية توسعت في عهد مبارك وما تلاه من المجلس العسكري، ثم ما بعد انقلاب يونيو 2013، حيث استوطنت شركتا “جنان” و”الظاهرة” الإماراتيتان و”الراجحي” السعودية في مجال استصلاح الأراضي.

المستحوِذ الأكبر

وأشارت الدراسة إلى أنه مع ضعف الشفافية بل وانعدامها أحيانا فيما يدور حول عمليات تخصيص الأراضي والتعاقدات الحكومية مع الشركات الخليجية، يصبح تتبع المساحات التي استحوذت عليها الشركات الخليجية في المشروعات الزراعية المصرية المختلفة صعبا، إذ تدخل هذه الشركات في تحالفات معقدة تارة تهربا من الضرائب، وتارات أخرى حتى لا تصبح هدفا لناشطي المجتمع المدني ومناصري الحق في الأرض للسكان المحليين، ومع ذلك فإن المساحة الإجمالية التي تسيطر عليها شركات خليجية سعودية وإماراتية بالأساس في مصر تبلغ وفقا لموقع “مصفوفة الأرض” حوالي 182 ألف هكتار/ 450 ألف فدان، من خلال 14 عملية استحواذ على الأراضي.

وتشكل هذه المساحة بحسب الدراسة 5% من المساحة الكلية المنزرعة في مصر، والتي تبلغ 8.9 مليون فدان، وهي أكبر من إجمالي المساحة المنزرعة في أكثر من محافظة مصرية زراعية، ويقتات عليها ملايين المصريين. فما هي هذه الشركات؟

جنان الإماراتية

وأشارت الدراسة إلى أن للشركة مشروعين أحدهما بمساحة 14000 هكتار قرابة 35000 فدان بشرق العوينات، ولا تنكر الشركة أن المشروع مخصص لإنتاج الأعلاف الخضراء وعلف السيلاج للتصدير بشكل أساسي، وللسوق المحلية تاليًا، كما تنتج الفاكهة بشكل مكثف للتصدير، ومشكلة الفاكهة في المكون المائي الكبير في بلد تعاني من الشح المائي.

ومشروعها الثاني في المنيا على مساحة 48000 هكتار، أي ما يزيد على 118600 فدان، مستفيدة من تطوير البنية التحتية وآبار المياه في ظل مشروع المليون ونصف المليون فدان.

وأوضحت أن المساحة قد لا تبدو ذات دلالة للبعض في الأراضي الصحراوية، لكن إذا احتسبت هذه المساحة كنسبة من مشروع قومي ضخم فهذا يعني سيطرة شركة واحدة على أكثر من 10% من مساحة المشروع في مقابل 25% فقط من هذا المشروع مخصصة للشباب وصغار المزارعين المصريين بمجملهم، أي عشرات الملايين من الشباب، لا يمكنهم منافسة شركة واحدة في الاستحواذ على الأراضي حال امتلاكهم المبالغ المطلوبة واستيفائهم الشروط اللازمة للحصول على كامل القطع المطروحة في إطار هذا المشروع.

وقالت إن إجمالي المساحة التي حصلت عليها شركة جنان وحدها 153600 فدان، وهذه المساحة تزيد على إجمالي المساحة المنزرعة بالقطن على سبيل المثال في مصر عام 2015/2016، والتي قدرت بـ132 ألف فدان وفقا للإحصاءات الرسمية المصرية.

ورأت أن ذلك يوضح حجم الإهدار للموارد إذا أخذنا الفارق بين عدد العاملين في زراعة القطن وصناعة النسيج المعتمدة عليه، والتي تعتمد على أيدٍ عاملة كثيفة جدا مقارنة بتلك الشركات التي تزرع فواكه تصديرية لا تفيد السوق والاقتصاد المصري كثيرا، وحتى إن حققت فائدة محدودة للميزان التجاري فإن أثر العمالة في الزراعات البديلة بالتأكيد سيكون أكبر وأفضل على الاقتصاد بحسابات تكلفة الفرصة البديلة.

الظاهرة الإماراتية

وأشارت الدراسة إلى أن شركة الظاهرة الإماراتية تملك وتدير أربعة مشاريع زراعية كبرى في مصر، وتزرع مجموعة متنوعة من المحاصيل على أرض تمتد على مساحة تزيد على 20000 فدان، وتزرع وتنتج شركة الظاهرة مصر على وجه الخصوص حوالي 50000 طن متري من القمح سنوياً مخصصة للاستهلاك المحلي و25000 طن من الذرة، تركز الشركة بشكل أساسي على زراعة البرتقال، تزرع الشركة أيضا أنواع مختلفة من الحمضيات مثل الليمون والجريب فروت واليوسفي.

وتنقل شركة (الظاهرة – مصر) إنتاجها عبر مختلف أسواق التصدير في إفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا. مضيفة أنه كجزء من مشروع التنمية الزراعية الضخم والجديد الذي يتضمن زراعة حوالي 100000 فدان بمحاصيل دائمة وموسمية، تخطط الظاهرة لزيادة قدرتها الإنتاجية من الحمضيات خلال السنوات القليلة القادمة.

أي أن الشركة تستحوذ على قرابة 120 ألف فدان تزرع منها 20 ألفا فقط، وتزرع معظمها بمحاصيل تصديرية.

“الراجحي” السعودية

وأضافت الدراسة أن الشركة مملوكة للمستثمر السعودي عبد الوهاب صالح الراجحي، والتي تمتلك شركة زادنا للاستثمار الزراعي والتنمية العقارية، وتستثمر الشركة في مصر في مجال التمور وتمتلك خمسة معارض لتسويق التمور السعودية، ومصنعًا للحلويات الشرقية والغربية، وتسعى الشركة وفقا لموقع الهيئة العامة للاستثمار المصرية، إلى زيادة استثمارات المجموعة الحالية في مصر في مجال الزراعة وإنتاج الزيتون وتصنيعه، والخطط المستقبلية للمجموعة للتوسع في مصر وزيادة استثماراتها، والمخطط أن تصل إلى 2 مليار جنيه مصري خلال الـ5 سنوات المقبلة.

وأشارت إلى أنه خصص لصالح الشركة 100 ألف فدان في مشروع توشكى في العام 2007، وتسلمت منها 25000 فدان في 2008، وفي يوليو 2014 أثناء زيارة رئيس الوزراء إبراهيم محلب لتفقد مشروعات شركة الراجحي تعهد للشركة بتقديم 100 ألف فدان كاملة للشركة غير معروف إذا كانت مساحة جديدة أم استكمالا لمخصصات الشركة، وتدخل الشركة ضمن تحالفات سعودية أخرى معقدة للاستثمارات الزراعية في الخارج، غير معروف حجم استحواذها على الأراضي في مصر مثل تحالف جنات السعودي الذي يضم ست شركات سعودية تعمل بالاستثمار الزراعي من بينها شركة الخريف” لأجهزة الري المحوري وشركة المراعي.

مشروع توشكي

وكشفت الدراسة عن أن مساحة مشروع توشكى الآن تبلغ 405 آلاف فدان، منها 100 ألف فدان على الأقل لصالح شركة “الراجحي” السعودية، ونفس المساحة لشركة “الظاهرة” الإماراتية للتنمية الزراعية، فإننا إذا أمام استحواذ هاتين الشركتين الخليجيتين فقط على نحو 49.4% من أراضي المشروع القومي الأكبر للاستصلاح الزراعي في عهد مبارك، وإذا أضيفت إليهما حصة شركة جنان والتي يبدو أنها تدخل ضمن مشروع المليون ونصف المليون فدان والبالغة 156 ألف فدان في عموم مصر، فإننا إزاء استحواذ ثلاث شركات على مساحة تفوق مساحة مشروع توشكى بكامله، بل وتفوق خمسة أضعاف إجمالي ما تملكه وتقوم بزراعته الشركة الوطنية لاستصلاح وزراعة الأراضي الصحراوية بشرق العوينات التابعة للقوات المسلحة والمستثمر المصري الأكبر في الأراضي الصحراوية، وهذه الشركات لم تقم بزراعة كامل المساحة وخالفت شروط التعاقدات المجحفة بحق مصر، فنسبة المساحة المنزرعة بالمشروع بلغت 6.6% فقط من المساحة المخصصة للمستثمرين، وتكبّدت الدولة خسائر نحو 6 مليارات جنيه تم صرفها على مدار 14 عاما منذ بدء العمل بالمشروع وحتى 2010.

إنتاجها للخليج

وكشفت الدراسة عن أن الشركات تابعة لمؤسسات سيادية ببلدانها، وتحقق خططا على حساب أنصبة المصريين من الألبان واللحوم والعناصر الغذائية الرئيسية، فبينما تتطور حصة المواطن الخليجي من اللحوم الحمراء والألبان تتدهور حصص المصريين من هذه العناصر الغذائية إذن تنتج هذه المنتجات أو مستلزماتها من أعلاف في مصر وتصدر لتغذي الأسواق الخليجية بينما تتدهور أحوال المصريين القائمين بعملية الإنتاج، فلمصلحة من تخصص تلك الأراضي وتقدم تلك التسهيلات البنكية والائتمانية؟

وأضافت أن مثل هذه السياسات التشجيعية لنمط الاستثمارات الكبيرة والشركات الكبرى على حساب صغار المزارعين الذين يفقدون القدرة على النفاذ لعنصري الأرض والماء وهما أساس عمليات الإنتاج الأولى وأساس البقاء على الأرض، تفقد مصر السيادة على أرضها والقدرة على التنبؤ بحركة السكان وهجرتهم الداخلية والخارجية وتزيد من تبعية الاقتصاد المصري إذ يمكن لقلة من المستثمرين إحداث خلل في توريد أي سلعة مهمة ينتجونها.

صغار المزارعين

وأضافت أنه بينما يضمن نمط الإنتاج عبر صغار المزارعين المصلحة العامة فهؤلاء لا يستطيعون تحمل خسارة كبيرة لفترة من الزمن بتعطيل الإنتاج أو حتى الإضراب عن العمل، بينما يمكن للمستثمرين الكبار تحمل خسارة لسنوات في سبيل الحفاظ على أسعار مرتفعة، أو التخارج تماما مع كامل أموالهم وذلك لهشاشة اتفاقات الاستثمار الثنائية وقرارات التخصيص التي تعتمد بالأساس على العلاقات الشخصية لهم مع الحكومة المصرية وكلا السببين يضمنان لهم حقوقهم في تحويل كامل رأس المال والأرباح للخارج.

وقالت “تعلن الجهات المعنية في الدولة والبنوك دعمها لقطاع الزراعة يعاني صغار المزارعين المصريين من ضعف التمويل البنكي المخصص للزراعة وتشدد البنوك في إجراءات إقراض هؤلاء المزارعين، وتتحفظ البنوك كثيرا على تمويل النشاط الزراعي، فإن القدر المحدود من التمويل البنكي للنشاط الزراعي عادة ما يذهب إلى الشركات الكبرى، وبشكل عام فإن الاستثمار الزراعي ما زال يعاني تجاهل القطاع المصرفي”.

Facebook Comments