على طريقة البهلوان، يسعى السيسي إلى الرقص على كل الأحبال وكل الاتجاهات، في القضايا السياسية والاقتصادية، فما بين أمريكا وروسيا يترنّح السيسي اللاهث وراء المال والدعم والرضا الخارجي على سياساته.

وما بين القمع والقهر لكل معارضيه، ومطالبات أجهزته المخابراتية ونصائح موساد صديقته إسرائيل بتخفيف القبضة الأمنية قبل انفجار الشعب المصري، يتلاعب السيسي العاجز عن قيادة البلاد بعيدًا عن القبضة الأمنية الرهيبة التي قتلت السياسة بمصر، حيث كفر الجميع بالنظام والدولة في مصر.

وفي إطار الخلفية العسكرية المتحكمة بعقلية نظام السيسي على طول الخط، تتواصل فضائح السيسي بصورة يومية، في تعاطيه مع كثير من الملفات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية بل والأمنية أيضا. ولعل أبرز ما يدلل على فشل السيسي ونظامه، والذي ينذر بكارثة كبيرة تجتاح مصر، هو تفاقم الديون وتعثر الاستثمار المحلي، وهروب الأجانب من مصر، وتراجع الاقتصاد المصري، وهو ما يدمر المستقبل المصري.

لقاءات ديكورية

ومن ضمن محاولات السيسي لامتصاص غضب الداخل المتنامي، وفق تقرير مخابراته، يلاعب نظام السيسي بعض المعارضين من اليساريين والليبراليين، الذين يراهم السيسي معارضين غير شرسين، عبر دعوتهم إلى اجتماعات بقيادات أمنية، وسط تسريبات باحتمال عقد مؤتمر “الشأن العام” مطلع العام المقبل.

حيث كشفت تقارير إعلامية عن دعوة الأمن الوطني، على مدار الأسبوعين الماضيين، عددًا من الشخصيات الحزبية الليبرالية واليسارية، المصنفة بأنها “غير متطرفة في خصومة النظام”، بهدف الإعداد لمؤتمر من المقرر عقده العام المقبل برعاية السيسي، بعنوان “مؤتمر الشأن العام”، الذي بدأت الاستعدادات له منذ الشهر الماضي عبر ندوات تقيمها وزارة الأوقاف وبعض الصحف القومية.

وتوضح المصادر أن تنظيم وزارة الأوقاف، البعيدة كل البعد عن قضايا المجال العام من تداول سلطة وحقوق وحريات، لتلك الندوات هو تغطية على إدارة مشتركة من المخابرات والأمن الوطني لفعاليات الاستعداد للمؤتمر، الذي لم يُعرف جدول أعماله بعد، وسط ترجيحات للبعض بعدم عقد المؤتمر، مستشهدة ببعض السوابق التي كان السيسي قد وعد فيها بعقد مؤتمرات مع الأحزاب السياسية ولم تتحقق تلك الوعود، بل اكتفى بدلا من ذلك بإنشاء ما يسمى “تنسيقية شباب الأحزاب” التي أصبحت مجرد مجموعة منبثقة من منتدى الشباب، كل ما يميزها أن أعضاءها ينتمون إلى أحزاب ضعيفة توالي السلطة، ويديرها مكتب مدير المخابرات.

ويرى بعض المراقبين أن مجرد الحديث عن عقد المؤتمر، هو مجرد محاولة للتنفيس والمعارضة الجزئية، وتخفيف الضغط على وسائل الإعلام من دون المساس بالسياسات العليا للنظام.

استعلاء أمني

وكشفت مصادر عن أن هناك 3 قضايا رئيسية كانت محور النقاشات في هذه الاجتماعات، القضية الأولى: المطالبة بضرورة الإفراج عن المعتقلين السياسيين والشخصيات غير المتهمة أو المدانة في أحداث عنف، وعلى رأسهم معتقلو “خلية الأمل”، ورئيس حزب مصر القوية عبد المنعم أبو الفتوح، وباقي المتهمين في “انتفاضة سبتمبر”.

“القضية الثانية” هي فتح المجال لانتخابات حرة بالنظام الفردي أو القائمة النسبية في انتخابات مجلسي النواب والشيوخ المقبلين، وعدم التضييق على تحركات الأحزاب السياسية قبل الانتخابات، والامتناع عن تخويف الكوادر، وخاصة في المحافظات.

القضية الثالثة: هي ضرورة تخفيف القبضة على الإعلام، والسماح بظهور السياسيين على الفضائيات وفي الصحف، وطرح القضايا الجادة وتقديم رؤى معارضة، على الأقل في مستوى الحكومة والمسئولين التنفيذيين.

والغريب والذي يؤكد فشل النظام الانقلابي، حتى في التعاطي مع المعارضة، أن تعليقات القيادات الأمنية استهجنت بشدة طرح هذه القضايا. وهو ما يؤكد نيّة نظام السيسي بأنه لا حوار مطلقًا، بل على الجميع الخضوع، وهو ما تؤكده كلمات السيسي المستمرة عن المواجهة العسكرية القامعة لأي معارضة، بل إن القيادات الأمنية وتعليقاتها الصادمة، إلى حد توجيه بعض العبارات الحادة على مسامع بعض السياسيين وتهديدهم ضمنيا بتحريك “بعض الملفات”، ما أثار حفيظة المشاركين، واعتبرها بعضهم انعكاسًا لصورية الحوار.

لكنَّ المؤشر السلبي الذي لا يمكن إنكاره، بحسب وصف أحد المصادر، “صدم عددًا من المشاركين”، بأنه بعد ساعات من أحد تلك الاجتماعات، وجّه ذات الضباط الذين كانوا يديرون الاجتماع صحيفة “الجمهورية” للاستمرار في حملتها الممنهجة المستمرة منذ شهر تقريبا ضد شخصيات معارضة في الداخل والخارج، وضد صحفيين وسياسيين وحقوقيين، رغم أنهم تعهّدوا خلال الاجتماع بوقف هذه الحملة “قريبًا”.

ووفق مراقبين، فإن سياسة النظام في التظاهر بالإقدام على الانفتاح والمضي قدما في اتجاه التصعيد لا يمكن أن تخلق مشهدا سياسيا جديدا، حتى إذا عُقد مؤتمر الشأن العام بحضور السيسي، وحتى إذا دُفع بشخصيات جديدة لإدارة المشهد السياسي بدلا من نجل السيسي ومساعد مدير المخابرات”.

بل إن هناك تأكيدات عن وجود شخصيات لا تتمتع بالقدر الكافي من الخبرة في التعامل مع السياسيين والإعلاميين، وتحاول استكشاف المشهد من مختلف أطرافه، ولكنها تشارك العناصر المؤثرة في دائرة السيسي ذات الرؤية السلطوية تجاه المجال العام، وهو الأمر الذي ينطبق على كافة الملفات ومستجدات الواقع المصري.

Facebook Comments