لم يكن جنرال إسرائيل السفيه عبد الفتاح السيسي يتوقع أن ينغّص عليه الرئيس الشهيد محمد مرسي بعد موته، بأن يمنح المجتمع الدولي مرسي فخر الشرعية الانتخابية، بعدما انتزعها الجنرال بقوة الترهيب وسفك الدماء والانقلاب، أما جورج أورويل فلن يتسنّى له أن يعرف أن إعلام العسكر استعار أهم شخصياته، الأخ الأكبر، ليطوّر نظام رقابة أكثر فاعلية وابتكارا قد يصبح يوما مادةً لنسخةٍ جديدةٍ للرواية الشهيرة.

وانتشرت على مواقع التواصل مبادرة مصرية لحذف قناة "صدى البلد"، إحدى القنوات التي تشرف عليها المخابرات، من الرسيفر حتى إقالة المذيع أحمد موسى، فيما تصدرت قنوات الشرعية في الخارج مكملين و وطن والشرق، والتي تبث إرسالها من تركيا، بالإضافة إلى قناة العرب الأكثر مشاهدة "الجزيرة" الفضائية، والتي تبث من دولة قطر.

في حين فضحت المذيعة "نهى درويش" الأخ الأكبر الذي يسيطر على الإعلام، أثناء إذاعة بيان النيابة العامة حول وفاة الرئيس الشهيد محمد مرسي، حيث ذكرت نقلاً عن "مصدر طبي مسئول"، أنه "تم وضع المذكور تحت الرعاية الطبية منذ نوفمبر 2017 وتقديم العلاج الطبي اللازم له بشكل دوري"، وختمت قراءة البيان بعبارة "وتم الإرسال من جهاز سامسونج"، وهو ما اعتبره البعض دليلاً على تلقي وسائل الإعلام تعليمات موحدة النص من جهة سيادية، ودليلاً على النقل الحرفي من تليفون المخابرات دون مراجعة من أحد.

إعلام قاتل

وبدأ اهتمام السفيه السيسي ببناء "ذراع إعلامية للدولة" حين كان وزيرا للدفاع، حيث أطلقت حينها حملة إعلامية مركزة ضد الرئيس الشهيد محمد مرسي مهدت الطريق أمام الانقلاب عليه بعد سنة من استلام مهامه رئيسا لمصر، وبعد أشهر من اختياره السيسي وزيرا للدفاع.

وساير الإعلام حركة الانقلاب بالترويج وحشد الدعم للمظاهرات التي أطلق عليها "ثورة 30 يونيو"، ولم يكتف الإعلام بمواكبة خطوات السفيه السيسي بالدعم، وإنما عمل على التحريض على قتل المعتصمين في ميدان رابعة العدوية المطالبين بعودة الرئيس الشهيد مرسي، وساند قوات الأمن وهي تقتحم الميدان بالدبابات وتطلق الرصاص على المتظاهرين.

ولم تتكشف بسرعة مراحل التخطيط الأولى التي اعتمدها السفيه السيسي وأجهزة الدولة العميقة لإعادة السيطرة على المشهد الإعلامي في مصر بعد ثورة 25 يناير، إلا أنه مع مرور الزمن وبداية تسريب مكالمات الضباط وفيديوهات اللقاءات، بدأت تتكشف خيوط المؤامرة التي صاغت المشهد الإعلامي تمهيدا للانقلاب.

وكشفت التسريبات التي بثتها قناة "مكملين" المعارضة، تدخل ضباط الأمن فيما يقدمه بعض نجوم برامج "التوك شو"، ويظهر في أحد التسجيلات صوت النقيب في المخابرات الحربية "أشرف"، وهو يوجه مقدم البرامج في قناة "العاصمة"، سعيد حساسين إلى الطريقة التي يجب أن يتحدث بها عن قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، بشأن نقل السفارة الأمريكية في إسرائيل إلى القدس، ويشرح له ضرورة التعبير عن "قبول القرار".

كما أظهرت تسجيلات أخرى اتصالا بين ضابطين في المخابرات الحربية، هما النقيب "أشرف" والمقدم "إمام"، دافع فيه النقيب أشرف عن المذيع بقناة "العاصمة" عزمي مجاهد في مواجهة الضغوط التي يتعرض لها من إدارة القناة، وفي نفس التسجيل يتحدث الضابطان بشكل صريح عن وضع خريطة دقيقة لما يقدم في الشاشات، وعدم القبول بأي نوع من الأخطاء.

نفاق الغرب

وسائل الإعلام الغربية في التعامل مع ما يجري في مصر، اتخذت نهجًا يتماشى مع سياسات حكوماتها في الشرق الأوسط، فبعضها تجاهل حقيقة إرهاب الدولة والانتهاكات الفظيعة في العالم العربي، والبعض الآخر عمدت على الطعن بالمعارضة السياسية لهذه الأنظمة وسعت لتشويه صورتها، بالتزامن مع التستر على الجرائم والانتهاكات التي تمارسها ديكتاتوريات المنطقة.

وفي نقل حادثة وفاة الرئيس الشهيد محمد مرسي، كرست المؤسسات الإعلامية التلفزيونية المختلفة في الغرب، القليل من الوقت لنقل الحادثة، فيما عمدت وسائل الإعلام المطبوعة على تخصيص حيز صغير لنقل الخبر، وذلك يخبرنا بشيء مفاده عدم رغبة الغرب بسماع الأخبار المتعلقة بزعيم منتخب ديمقراطيا، جرى عزله بانقلاب عسكري ثم سجنه وتعرضه لمعاملة غير إنسانية، وحرمانه من أبسط الحقوق ثم وفاته في ظروف مريبة بعد سنوات من السجن.

على أية حال، فإن النهج الذي اتبعته بعض وسائل الإعلام الغربية مع نبأ وفاة الرئيس الشهيد مرسي، يظهر للعيان بعدها عن روح العدالة وحقوق الإنسان والتضامن الإنساني، وتجاهلها للجرائم التي ارتكبها السفيه السيسي، ما يجعلها بموقع الشريك في هذه الجرائم.

 

Facebook Comments