انتهت دراسة “الدولة والأمّة والعلاقات الدوليّة عند الإخوان المسلمين”، التي ناقشها مؤتمر إسطنبول في يومه الثاني، أمس، إلى أن الدولة الإسلامية عند الإخوان المسلمين هي دولة مدنية بمرجعيتها الإسلامية المتفتحة، وهي دولة تعاقدية تقوم على الاختيار الحر المعبّر عن إرادة الشعب أو الأمّة، والإمامة عقد بين الإمام والأمة ممثلة بأهل الحل والعقد، والأمة مشرفة ومراقبة للعقد، وتملك الحق في خلعه إذا لم يوفّ بشروط العقد.

وأكد د.غازي العواودة، صاحب الدراسة، أن الدولة الإسلامية دولة تعددية، سواء كانت تعددية دينية كما كان واضحا في وثيقة المدينة المنورة التي رسمت العلاقة مع يهود المدينة، مشيرا إلى أن الطريق إلى الوحدة الإسلامية هو وحدة الأمة العربية، باعتبارها نواة وحدة الأمة كلها، وحدتها جغرافيا ووحدتها روحيا، ووحدتها لغة وتراثا وفكرا وتاريخا.

فيما واصلت الدراسة تمحيص المفاهيم عند الإخوان المسلمين، مستنتجة أن الدولة مدنيّة وطنية لا علمانية ولا دينية، وأركان الدولة في الفكر السياسي (شعب- أرض- نظام حكم)، وكذلك مفهوم نظام الحكم ذي المرجعية الإسلامية، إضافة إلى خصائص الدولة ذات المرجعية الإسلامية (التعددية والتداول السلمي للسلطة- المواطنة – دور المرأة- اختيار السلطة- الفصل بين السلطات).

وأيضا استعرضت الدراسة مصطلح الأمة وخصوصية العلاقة بين شعوب وأعراق الأمة، والعلاقة التكاملية بين الدول الإسلامية، والرابطة الإسلامية في فكر الإمام البنا.

كما تناولت الدراسة العلاقات الدولية والنظام الدولي والحاجة للتطوير، وأهمية تعزيز القيم العليا في العلاقات الدولية (نموذج حلف الفضول).

وفي هذا السياق، أوضح الباحث أن الرؤية الحضارية الشاملة لجماعة الإخوان المسلمين تنطلق من إيمانها المطلق بأنه ليس في الدنيا نظام يمدّ الأمّة المسلمة الناهضة بما تحتاج إليه من قوانين ونظم وقواعد وعواطف ومشاعر وأخلاق، كما يمد الإسلام بذلك كله أمته الناهضة وشعوبه الحية.

ويعتقد الإخوان المسلمون أن الإسلام العظيم يكتنز في كتابه القرآن العظيم وسنة نبيه الكريم كل عناصر قوة الأمم وسبل النهوض الدائم ومجاراة العالم كله، بأفضل ما عنده من قوانين إدارية وأخلاقية واقتصادية واجتماعية وتربوية وغيرها.

وقد حددت الجماعة، منذ بواكير نشأتها الأولى، مهمتها أوضح تحديد، وأبانها مؤسسها الإمام حسن البنا بأجلى بيان، حيث حدد المضامين الآتية:

خارطة طريق نهضة الأمة

ويرى الإخوان المسلمون أن تخليص الأمة من قيودها السياسية وإعادة بنائها من جديد، يتحقق عبر إقامة النظام الإسلامي الشامل، والوقوف بوجه مدنية المادة.

ويحقق البناء الاسلامي الشامل الذي تراه جماعة الإخوان المسلمين سيادة الدنيا وإرشاد الإنسانية.

الدولة والوطن

وأوضح الباحث أن كتاب الدكتور يوسف القرضاوي (من فقه الدولة في الإسلام) قد جاء ليرفض شبهة ثيوقراطية الدولة في الإسلام، والتي تظهر في بعض كتابات المنتسبين للفقه في عصرنا الحالي، ويخلص الشيخ القرضاوي إلى أن الدولة الإسلامية دولة مدنية تقوم على أساس الاختيار والبيعة والشورى ومسئولية الحاكم أمام الأمة، وحق كل فرد في الرعية أن ينصح لهذا الحاكم.

وأشار الباحث إلى أن البنا حدد أساس الوطنية في فهم الإخوان المسلمين فيقول: “ويخطئ من يظن أن الإخوان المسلمين يتبرمون بالوطنية، فالمسلمون أشد الناس إخلاصا لأوطانهم وتفانيا في خدمة هذه الأوطان، واحتراما لكل من يعمل مخلصا لها، وحسبك من وطنية الإخوان المسلمين أنهم يعتقدون عقيدة جازمة لازمة أن التفريط في أي شبر من الأرض يقطنه مسلم جريمة لا تغتفر حتى يعيدوه أو يهلكوا دون إعادة، ولا نجاة لهم من الله إلا بهذا”.

ويفصل الأستاذ البنا حدود الوطنية الإسلامية، فيقول: “أما وجه الخلاف بيننا وبينهم فهو أننا نعتبر حدود الوطنية بالعقيدة، وهم يعتبرونها بالتخوم الأرضية والحدود الجغرافية، ودعاة الوطنية فقط ليسوا كذلك، فلا يعنيهم إلا أمر تلك البقعة المحدودة الضيقة من رقعة الأرض، ويظهر ذلك الفارق العملي فيما إذا أرادت أمة من الأمم أن تقوي نفسها على حساب غيرها، فنحن لا نرضى ذلك على حساب أي قطر إسلامي، وإنما نطلب القوة لنا جميعا، ودعاة الوطنية المجردة لا يرون في ذلك بأسا، ومن هنا تتفكك الروابط وتضعف القوى ويضرب العدو بعضهم بعضا”.

الوطنية عند الإخوان

ولخصت الدراسة دلالات ومضمون فهم الإخوان المسلمين لقضية الوطنية، فيما يلي:

1. حب الوطن من الفطرة والدين.

2. تحرير البلاد والحفاظ على استقلالها واجب إسلامي.

3. الرابطة الوطنية بين أفراد المجتمع مبدأ إسلامي.

4. أساس وطنيتنا هي العقيدة الإسلامية

5. حدود وطنيتنا بالعقيدة وليست بالحدود الجغرافية.

6. وطنيتنا ذات رسالة موجهة لكل العالم.

نظام الحكم

كما يؤمن الإخوان المسلمون أن المرجعية الإسلامية لنظام الدولة الإسلامية يعني فيما يعني قدرة النظام الإسلامي بأنظمته الدستورية والقانونية والاجتماعية والتربوية والاقتصادية والسياسية على استيعاب كل مستجدات العصر، وخلاصة التجارب الإنسانية في إسعاد البشر، سواء كان المقصود بنظام تداول السلطة سلميا، والتعددية السياسية باعتبار أن التعددية تتظلل بالمرجعية الإسلامية فلا إلحاد في العقيدة، ولطالما كان الاختلاف سياسيًّا فهو ضمن البحث عن الأنفع والأكثر جدوى لخدمة المجتمعات البشرية.

والمواطنون في هذه الدولة أمام القانون سواء، فليس هناك لأحد فضيلة على أحد إلا بمقدار التزامه بقانون الدولة، وخدمته للناس، وإيمانه بحريته وحقوقه كاملة غير منقوصة.

المرأة

وفي هذه الدولة الإسلامية تقف المرأة على منصة الاحترام والتقدير، وهي تقوم بأدوارها التي يرسمها الشرع الحنيف ويرتضيها المجتمع، سواء كان ضمن نظام الأسرة والزواج والأمومة، أو كان ضمن نظام التعليم والعمل الحر الشريف المتوافق مع طبيعتها وحياتها وأسرتها، أو كان ضمن النظام السياسي، فلها حق الانتخاب والترشيح لكل المواقع المتاحة سياسيًّا، وخاصة المجالس التشريعية والنيابية.

وتقوم العلاقات بين الدول الإسلامية على مجموعة من المرتكزات من أهمها:

1. المرجعية الإسلامية دستوريا.

2. التعاون على الخير.

3. التكامل الاقتصادي.

4. الأخوّة والمحبّة والاحترام.

5. التعاون العسكري.

6. التكامل التربوي والسلوكي.

7. التاريخ والتراث المشترك.

8. النظام الأخلاقي والاجتماعي.

وتنطلق فكرة الإخوان المسلمين في القومية وطبيعة الانتماء للوطن أو القوم أو العشيرة من رابط الإسلام بين أفراد الأمة ودولها وعشائرها عقيدة وتراثا، وتأثير هذه العقيدة وهذا التراث في انتمائها وعلاقاتها.

قومية وعالمية

تعامل الإخوان منذ قيامهم مع القومية، كما تعاملوا مع الأفكار الأخرى بميزان الإسلام، فالقومية كالوطنية لها معانٍ عدة منها الخيّر ومنها المرفوض، فالاعتزاز بالقومية في إطار التدين ومفهوم البذل والعطاء والتنافس الشريف فهي ممدوحة، وأما قومية الجاهلية، وقومية العدوان فهي مذمومة ومرفوضة.

ولقد حذَّر الأستاذ البنا، رحمه الله، من هذه القومية، حيث يقول عن ذلك: “فذلك في القومية معني ذميم وخيم العاقبة، سيئ المغبة، يؤدي بالشرق إلى خسارة فادحة يضيع معها تراثه وتنحط بها منزلته، ويفقد أخص مميزاته، وأقدس مظاهر شرفه ونبله، ولا يضر ذلك دين الله شيئا ” وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم”.

ويرى الإخوان المسلمون أن العلاقات الخارجية في مفهوم الجماعة يجب أن تقوم على عدد من المبادئ، من أهمها ما يلي:

1. المحافظة على استقلال وسيادة الأمة.

2. إعادة الأمة إلى مكانتها الكريمة بين الأمم.

3. تخليص الأمة من استبداد غيرها بها وتدخله في شئونها.

4. تحديد الصلة بين الأمة وبين سواها تحديدًا يفصّل حقوقها جميعا.

5. تقوية الروابط بين الأقطار الإسلامية جميعا، وبخاصة العربية منها تمهيدا للتفكير الجدّي العملي في شأن الخلافة الضائعة.

6. الكفالة التامة لحقوق غير المسلمين، سواء كانت حقوقا دولية أم كانت حقوقا وطنية للأقليات غير المسلمة.

7. اعتبار السلم أساسًا للعلاقات الدولية، وعدم الاعتداء على الآخرين.

8. احترام العهود والمواثيق.

ويرى الإخوان المسلمون أن النظام الدولي بحاجة إلى تطوير، حيث يقوم النظام الدولي الحالي على هيمنة الدول الكبرى الاستعمارية على العالم اقتصادا وتجارة وشركات ومصالح كبرى، وحق النقض (الفيتو) على حساب الدول الأخرى، وتحارب الدول الكبرى أيّة محاولة نهوض لدولة أو مجموعة دول في العالم الثالث الذي أسموه بـ”المتخلف” واستبدلوا المصطلح بـ”العالم الثالث” حتى يخففوا من وقع التخلف على شعوبه.ž

وهذا النظام الدولي يتسامح مع كل النظم الديكتاتورية التي حكمت شعوبها بالحديد والنار، ورفضت التعددية والمعارضة، واحتكرت الحكم من لحظة الاستلام حتى الموت أو الانقلاب، مقابل ولاء هذه الأنظمة للنظام الدولي.

ويرى الباحث أن مقتضى الرؤية الإسلامية للعالم هو أن تكون رسالة الإسلام عالمية (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) وليست قطرية، أو إقليمية، أو عرقية، وأن يكون السلام مركبًا هيكليًّا في صلب النظام العالمي الذي ينشده الإسلام، وليس أمرًا طارئًا أو استثنائيًّا، فالإسلام نفسه مشتق من صميم هذه المادة، مادة السلام. وحقيقة هذا الدين ولبه الإسلام لرب العالمين.

وبهذا يقوم العالم في التصور الإسلامي على العدل والمساواة والوفاء بالعهود والمواثيق والتعاون والاعتماد المتبادل.

Facebook Comments