في السنوات الست الأولى لعمر النظام العسكري بمصر زاد عدد التلاميذ الملتحقين بالمراحل الدراسية قبل الجامعية، بنحو 3.5 مليون طالب يحتاجون إلى فصول دراسية تزيد على 87 ألف فصل دراسي، مع متوسط 40 طالبا بالفصل الواحد، لكن بيانات الكتاب الإحصائي لوزارة التعليم المصرية تشير إلى إضافة حوالي 29 ألف فصل دراسى خلال السنوات المالية الست الأخيرة فقط.

أى إن المتوسط السنوي لزيادة عدد الطلاب والبالغ 583 ألف طالب، كان يحتاج لحوالي 15 ألف فصل دراسي جديد سنويا، لكن ما تحقق بلغ متوسطه أقل من خمسة آلاف فصل دراسي، ما أدى إلى ارتفاع متوسط عدد الطلاب في الفصل الواحد خلال السنوات الماضية، من 41 طالبا بالفصل خلال العام الأول للنظام العسكري، حتى بلغ حوالي 47 طالبا بالفصل بالعام الدراسي الماضي.

وكان بيان حكومة رئيس الوزراء شريف اسماعيل بالبرلمان في مارس/آذار 2016، قد أشار إلى الحاجة لإنشاء 15 ألف فصل دراسى جديد سنويا لاستيعاب الزيادة السكانية، وهو ما تبين عدم تحققه، إلا أن البيان الحكومى كان قد أشار أيضا إلى الحاجة لـ52 ألف فصل دراسي أخرى لخفض الكثافات المرتفعة بالفصول، وكذلك 52 ألف فصل دراسي آخر لمواجهة احتياجات المناطق المحرومة من الخدمات التعليمية بالريف والمناطق الشعبية، وأيضا 50 ألف فصل دراسي لاستيعاب طلاب الفترات الدراسية حتى يمكن إلغاؤها.

عدم تحقق وعد مدبولي

وهكذا يتبين عدم تحقق ما وعد به رئيس الوزراء السابق شريف اسماعيل، أو رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي حين تحدث هو الآخر خلال بيان حكومته بالبرلمان عن استهداف إنشاء مئتي ألف فصل دراسى خلال أربع سنوات، بمعدل خمسين ألف فصل دراسي سنويا، إذ إن ما تحقق خلال العام الأول لتوليه كان أقل من سبعة آلاف فصل دراسى حسب بيانات وزارة التعليم.

وكانت الخطة السنوية التى تعدها وزارة التخطيط قد ذكرت بالعام المالى 2014- 2015، الحاجة إلى إنشاء 232 ألف فصل دراسى من أجل تخفيف كثافات الفصول، وإلغاء تعدد الفترات الدراسية وتزويد المناطق المحرومة بالمدارس ومواجهة احتياجات الزيادة السكانية من الفصول الجديدة.

إلى جانب إحلال وتجديد المباني المدرسية المتدهورة عمرانيا، وتوفير بدائل للمدارس المُؤجرة التي يرغب أصحابها في عدم الاستمرار بالتأجير للمديريات التعليمية، وكذلك للتوسع في فصول التربية الخاصة للمعاقين، وأيضا التوسع في استيعاب تلاميذ مرحلة رياض الأطفال نظرا لقلة معدلات استيعابهم.

وهو أمر لم يتحقق، مما جعل البعض يقارن بين عدم تخصيص الميزانيات الكافية لبناء المدارس، وبين بناء القصور الرئاسية والتصريح بالاستمرار فى بنائها، رغم تصريح الجنرال بمؤتمر شباب العالم عن الحاجة إلى إنشاء 250 ألف فصل دراسى دون ترجمة ذلك إلى برنامج عملي للتنفيذ، وحتى مع اقتراض وزارة التعليم نصف المليار دولار من البنك الدولي، فقد تم تخصيصها لتدريب المعلمين.

مخصصات المباني التعليمية لا تتحقق

ورغم حصول وزارة التعليم على نصيب كبير بين الوزارات من موازنة الدولة، فإن معظم تلك الموازنة يتجه لأجور العاملين ما بين مدرسين ومديرين وموظفين ومختصين، وعمال يقترب عددهم من 1.5 مليون شخص، بالإضافة إلى مستلزمات العملية التعليمية ، ليتبقى قدر قليل مخصص لإنشاء المدارس الجديدة وإحلال وتجديد المدارس المتهالكة وتعلية المباني القائمة والصيانة الدورية للمباني المدرسية .

وفي موازنة العام المالي الحالي 2019 -2020 بلغت مخصصات وزارة التعليم قبل الجامعى 98.2 مليار جنيه، استحوذت الأجور على نسبة 79 % وشراء السلع والخدمات لمستلزمات العملية التعليمية من كهرباء ومياه وصيانة ونقل وكتب دراسية وأدوات كتابية 7% ، ليصل نصيب الاستثمارات إلى 13.5 %.

أما نصيب هيئة الأبنية التعليمية المختصة ببناء المدارس الجديدة  وترميم المتهالك منها، فقد بلغ في الموازنة الحالية 9.2 مليار جنيه وهو أعلى رقم خلال السنوات الماضية، اتجه أكثر من 93% منه للاستثمارات، وخلال السنوات المالية الست الأخيرة من 2014 -2015 وحتى العام المالي الحالي بلغ المتوسط السنوي لمخصصات هيئة الأبنية التعليمية عند إقرار الموازنات 5.7 مليار جنيه.

إلا أن بيانات الحسابات الختامية للموازنة في السنوات السابقة، تشير إلى عدم تحقق المبالغ التي تعد بها الحكومة هيئة الأبنية التعليمية في بدايات السنوات المالية عند وضع الموازنات، رغم زيادة تكلفة البناء بعد تحرير سعر صرف الجنيه المصري لحوالي الضعف.

حتى بلغت تكلفة بناء الفصل الواحد حوالي 400 ألف جنيه، تزيد مع بعض المدارس كما حدث مع المدارس اليابانية، وبهذا نجد أن الموازنة الاستثمارية للعام المالي الحالي يمكن من خلالها بناء حوالى 21 ألف فصل دراسي إذا قدمت المبالغ التى تم إقرارها في الموازنة.

أكثر من مئة تلميذ في الفصل بالجيزة

وتعود مشكلة تكدس الفصول أساسا إلى قلة عدد المباني المدرسية، حيث يبلغ عدد المباني المدرسية الحكومية حتى أغسطس/آب من العام الماضي 26 ألف مبنى مدرسي، في حين تؤوي تلك المباني أكثر من 47 ألف مدرسة حكومية من مراحل التعليم المختلفة .

بداية من رياض الأطفال وحتى المرحلة الثانوية، وذلك من خلال تعدد الفترات الدراسية في المبنى نفسه، حتى إن نسبة المدارس التي تعمل بنظام اليوم الدراسي الكامل بلغت 39 % من عدد المدارس في العام الدراسي الأخير .

ومع تعدد الفترات الدراسية يقتصر زمن الحصة على 35 دقيقة، كما يتم إلغاء الأنشطة الطلابية، ومع زحام الفصول يصعب على الطلاب التركيز ، خاصة أن البعض يظل واقفا لعدم وجود مقعد له، وإذا كان المتوسط العام للكثافة بالفصول الحكومية  قد بلغ في العام الماضي 47 تلميذا ، فقد تأثر المتوسط بالانخفاض بسبب تضمنه المدارس المجتمعية المخصصة للمتسربين من التعليم والتي تقل كثافة فصولها، وكذلك مدارس التربية الخاصة للمعاقين والتي تقل كثافتها أيضا.

وتزداد الكثافة بالمرحلة الابتدائية حسب بيانات وزارة التعليم إلى أكثر من 51 تلميذا في الفصل ، كما يصل المتوسط 66 تلميذا في الفصل بمحافظة الجيزة حسب البيانات الرسمية ، ويزداد لأكثر من مئة تلميذ بالفصل الواحد في بعض أحيائها مثل فيصل والعمرانية والهرم ، لنقص الأراضى الصالحة لبناء المدارس وكذلك لصعوبة الحصول على تراخيص لتعلية المباني المدرسية القديمة، كما يصل المتوسط إلى 59 تلميذا بمحافظة الإسكندرية و56 بالقليوبية و55 بالقاهرة .

وفي المرحلة الإعدادية التي يصل متوسط كثافة الفصل فيها إلى 47 تلميذا في الفصل، يرتفع العدد إلى 58 تلميذا بالجيزة و51 بالإسكندرية، وتمتد الكثافات العالية إلى مرحلة الثانوي العام والزراعي والتجاري، بل إنها تمتد الى مرحلة رياض الأطفال حتى بلغ العدد 64 تلميذا بالفصل بالإسكندرية.

نمو معدلات الكثافة خلال الحكم العسكري

وتتسبب الكثافات العالية في زيادة معدلات العنف بين الطلاب، خاصة مع غياب المراوح للتخفيف من ارتفاع درجة الحرارة داخل الفصول، كما تؤدي إلى كراهية كثير من الطلاب للبيئة المدرسية وتسرب بعضهم وعدم إكمال تعليمهم، وإلى صعوبة سيطرة المدرس على الفصل وصعوبة إمكانية تفاعله مع غالبية الطلاب خلال الحصة، كما تعد بيئة الفصل المزدحم مجالا خصبا لانتشار الأمراض المُعدية .

وتشير بيانات وزارة التعليم إلى أن مشكلة زيادة الكثافات بالفصول تزايدت معدلاتها خلال سنوات النظام العسكري، فمتوسط الكثافة بالمرحلة الابتدائية كان حوالي 46 تلميذا بالعام المالى 2014 – 2015 وظل يزداد من دون انقطاع حتى بلغ أكثر من 51 تلميذا في الفصل بالعام الدراسي الأخير.

الارتفاع المستمر نفسه لكثافة الفصول نجده في المرحلة الإعدادية، من 41 تلميذا إلى 47 تلميذا بالفصل، وفي الثانوي الزراعي من 34 طالبا إلى 45 طالبا في الفصل، وفي الثانوي التجاري من 38 طالبا إلى 45 طالبا بالفصل .

ورغم إشراك القطاع الخاص منذ عام 2016 في إنشاء المدارس بمنحه الأرض مجانا كحق انتفاع لمدة 40 عاما تؤول بعدها المدارس لوزارة التعليم، فإن نظام المشاركة لم يحقق ما كان مستهدفا منه، وبما يشير إلى توقع استمرار مشكلة التكدس في الفصول الدراسية خلال السنوات العشر القادمة مع زيادة حدتها، واستمرار تأثيرها السلبي على العملية التعليمية، وبما يدفع الكثيرين إلى التسرب الدراسي وإلى الدروس الخصوصية لتعويض ضعف الاستفادة من العملية التعليمية.

……………………………..

نقلا عن الجزيرة مباشر

 

Facebook Comments