بدأت أزمة سد النهضة تعكس ظلالها الكئيبة على الواقع المصري، بعد إعلان حكومة العسكر عن فشل المفاوضات مع إثيوبيا، واتّجه نظام الانقلاب إلى استغلال الأزمة فى استنزاف الفلاحين الذين يبحثون عن قطرة مياه لرى أراضيهم.

وكشفت مصادر بحكومة الانقلاب عن تشكيل لجنة من وزارات الري والزراعة والإسكان والمرافق العامة، لوضع خطة لبيع مياه الري للفلاحين.

وقالت إن أسعار المياه سيتم تحديدها إما من خلال الجمعيات الزراعية وفق نظام محاسبي يعتمد على وثيقة حيازة الأرض، أو من خلال التحكم في المياه من المنبع لإجبار الفلاحين على توصيل خطوط ري جديدة تتحكم فيها الحكومة.

يشار إلى أن الفلاحين منذ سنوات يضطرون لشراء مياه الري، بسبب غيابها عن الترع والمصارف المتصلة بأراضيهم، ولجأ بعضهم لآبار المياه الجوفية، كبديل لضمان ري الأرض بشكل مستمر .

كان قائد الانقلاب الدموى عبد الفتاح السيسي قد أعلن عن شروع حكومته في تنفيذ خطة تستهدف قطع مياه النيل عن مناطق الساحل الشمالي والبحر الأحمر، والاعتماد في هذه المناطق على تحلية مياه البحر، بذريعة مواجهة العجز المائي الذي تواجهه البلاد، لا سيما مع تعثر مفاوضات سد النهضة الإثيوبي.

وزعم السيسي، خلال فعاليات ندوة تثقيفية نظمها الجيش، الانتهاء "تقريبا" من هذه الخطة، إثر تخصيص ما يقرب من 200 مليار جنيه تكلفة محطات المعالجة والتحلية، متوقعا أن تصل تكلفة المشروع بأكمله إلى 300 مليار جنيه عند الانتهاء منه العام المقبل.

من جانبه أكد مصدر مسئول بوزارة الزراعة بحكومة العسكر، أن الحكومة تدرس اقتراحًا بشأن بيع مياه الري للمزارعين خلال الفترة المقبلة، بالتزامن مع التوسع في إنشاء محطات معالجة الصرف الصحي والصناعي، وتحلية مياه البحر، على ضوء فشل مفاوضات سد النهضة الإثيوبي، وانخفاض حصة مصر من مياه النيل مع بدء تشغيل السد رسميًّا العام المقبل.

حصة كبيرة

واعترف المصدر، الذي رفض ذكر اسمه، أن تشغيل السد الإثيوبي سيحجب حصة كبيرة من مياه النيل عن مصر، ما يعني بوار مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، مؤكدا أن وزارتي الزراعة والموارد المائية والري بحكومة الانقلاب تدرسان حاليا مقترحا ببيع المياه للمزارعين، وذلك بتعليمات من رئيس حكومة الانقلاب مصطفى مدبولي، وقائد الانقلاب الدموى عبد الفتاح السيسي.

وقال إنه لم يتم الانتهاء من الاقتراح في صورته النهائية، وإن هناك نقاطًا ما زالت تحت البحث، مثل آلية بيع المياه في الوقت الراهن، وما إذا كانت بحسب مساحة الأرض، أم من خلال إبلاغ الجمعيات الزراعية في القرى بحيازة كل مزارع؟ ومن ثم حساب المبلغ بصورة تقديرية بشكل شهري ارتباطا بعدد مرات سقي الأرض، أو حسب فترة موسم زراعة المحصول.

وأشار المصدر إلى أن فشل مفاوضات سد النهضة ووصولها إلى "طريق مسدود"، مثّل حالة من القلق، ما يتطلب إعادة الحسابات في الكثير من المشروعات الجارية في البلاد، متوقعا حدوث فجوة بين الاحتياجات الفعلية للمواطنين وكميات المياه، وسط محاولات لتجاوز الأزمة بإعادة استخدام مياه الصرف، والاعتماد على المياه الجوفية.

وكشف عن أن عددًا من المزارعين في المحافظات لجئوا بالفعل إلى الطلمبات الارتوازية رغم كلفتها المرتفعة التي تصل إلى نحو مائة ألف جنيه، لتعويض نقص مياه الري عبر النيل، وعدم وصولها إلى نهايات الترع والمصارف في مختلف المحافظات، ليستعيض الفلاح بالمياه الجوفية في الزراعة عوضًا عنها.

وأكد أن هناك تخوفًا كبيرًا من المزارعين على مستقبل "الطلمبات الارتوازية" عقب صدور قانون الري المرتقب، كونه يفرض المزيد من الإجراءات القانونية على المزارعين، وعلى جميع مصادر المياه، في الوقت الذي يستهلك فيه قطاع الزراعة نحو 85 في المائة من مواردها المائية.

فاتورة الفشل

ويرى عبد الرحمن شكري، نقيب الفلاحين ورئيس لجنة الزراعة السابق بمجلس الشعب، أن نظام الانقلاب يريد أن يحمّل الفلاحين نتيجة فشله في علاج أزمة سد النهضة، ويطالبه بدفع فاتورة هذا الفشل بوضع الفلاح أمام خيارين أحلاهما مر، إما تبوير أرضه أو شراء المياه .

وقال شكري، فى تصريحات صحفية: إن المياه المعالجة التي أعلن عنها السيسي لن يستخدمها إلا المزارعون؛ لأنها مياه غير صالحة للشرب، وبالتالي فإن ترويج حكومة العسكر لها، وقيام أحد نواب ائتلاف "تحيا مصر" الداعم للسيسي بتقديم اقتراح للبرلمان من أجل بيع المياه المعالجة للفلاحين، جميعها خطوات لجس النبض، قبل إقرار الموضوع كأمر واقع.

وأكد أن المزارع لن يدفع وحده ثمن ذلك، وإنما سيدفعه المواطن بشكل عام؛ لأنه في النهاية هو الذي سيتحمل غلاء سعر المحاصيل الزراعية من المنبع، التي لم يعد يكفيها زيادة أسعار السولار والبنزين والأسمدة والبذور، وإنما يضاف إليها الآن شراء المياه.

شركات الجيش

وكشف عزب مصطفى، وكيل لجنة الإسكان السابق بمجلس الشعب، عن أنها ليست المرة الأولى التي تسعى فيها الحكومة لبيع مياه الري للفلاحين، حيث سبق لحكومة أحمد نظيف أن اتخذت قرارا مماثلا، في يوليو 2010، تحت لافتة "المشروع القومي لتطوير الري"، الذي كان يهدف لبيع المياه للفلاحين من خلال عدادات ومحابس تتحكم فيها شركات القطاع الخاص.

وقال مصطفى، في تصريحات صحفية: إن الخطة تم تغييرها الآن لتكون من خلال شركات الجيش، ولأن الموضوع يتطلب تعديل قانون الري والصرف رقم 12 لسنة 1984، الذي يحظر بيع أو احتكار مياه النيل، فإن نواب السيسي ببرلمان الدم بدءوا التمهيد للتعديل باقتراحات مشبوهة تسمح لحكومة العسكر ببيع المياه للفلاحين؛ بحجة ارتفاع تكلفة محطات معالجة مياه الصرف الصحي.

وتساءل: "هل سيدفع الجيش ثمن مياه الري التي يستهلكها، بعد أن أصبح أكبر مستثمر زراعي بمصر من خلال 40 ألف صوبة زراعية بقاعدة محمد نجيب العسكرية، بالإضافة لمزارع توشكى وشرق العوينات العملاقة بالصحراء الغربية؟ وهل ستدفع العاصمة الإدارية مقابل مياه النهر الأخضر الذي سيتم إنشاؤه وسط المدينة الصحراوية؟ وهل سيدفع أثرياء النظام الذين يمتلكون 40 ألف ملعب جولف ثمن المياه التي يستهلكونها بهذه الملاعب؟ أم أن الفلاح الفقير والمواطن المطحون وحدهما الملزمان بالدفع؟".

النيل الأزرق

وحول تطورات أزمة سد النهضة قال محمد حافظ، أستاذ هندسة السدود بجامعة “يونتين” بماليزيا: إن التحدي الأول وهو السد، يمثل خرابا على المدى القصير، حيث سيتم ملء بحيرة سد النهضة بقرابة 74 مليار متر مكعب على مدار 3 سنوات، يضاف إليها قرابة 30 مليار متر مكعب تمثل حجم الفواقد في الشقوق الجيولوجية والتبخر بمنطقة السد على مدار سنوات الملء.

ويرى حافظ أن إجمالي ما سيتم حجزه خلال تلك الفترة يعادل 104 مليارات متر مكعب، وتلك هي المصيبة الأولى، والتي سينتج عنها نقص حاد في حجم المياه الواردة لبحيرة ناصر في تلك الفترة.

ويضيف “من الناحية النظرية البحتة فإن ما يصل لبحيرة ناصر سنويا يمثل قرابة 84 مليار متر مكعب، منها 48 مليار متر مكعب قادمة من النيل الأزرق، يضاف إليها 11 مليار متر مكعب من نهر السوباط، و12 مليار متر مكعب من نهر عطبرة، و13 مليار متر مكعب من النيل الأبيض".

ويوضح حافظ أن تلك الأرقام تفيد بأن ما يصل لبحيرة ناصر من النيل الأزرق فقط يعادل 57% من إجمالي تدفقات النيل الموحد ببحيرة ناصر، ويتبخر منها قرابة 10 مليارات متر مكعب سنويا، تاركا قرابة 74 مليار مكعب تقسم بين مصر بواقع 55.5 مليار متر مكعب، وبين السودان بواقع 18.5 مليار متر مكعب، وفقا لاتفاقية 1959.

وأكد أنه في حال استكمال سد النهضة وتنفيذ الخطة الإثيوبية في توزيع المياه، فإن ذلك سيسبب آثارا مدمرة، تتلخص في حرمان مصر من كامل تدفق النيل الأزرق، إضافة إلى تبوير ما يقرب من 5 ملايين فدان، وارتفاع فاتورة استيراد الغذاء، وتمليح معظم أراضي شمال الدلتا بسبب غزو مياه البحر لها .

وقال حافظ: يضاف إلى ذلك ارتفاع الحموضة في مياه النيل وقتل الأسماك، وزيادة معدلات البطالة بشكل كبير جدا مع زيادة معدلات الإجرام، وزيادة معدلات الهجرة من الريف إلى المدن، وسوف تتحول بحيرة ناصر إلى بركة مياه لا تكفي لتوليد الكهرباء بالسد العالي .

Facebook Comments