لمن يسأل عن القدس.. هي هبة السماء وجوهرة الأرض، حكمها نبي الله سليمان عليه السلام، وفتحها الصحابي الجليل الفاروق عمر، وحررها البطل المجاهد صلاح الدين، وباعها صهاينة العرب في صفقة أمريكية أطلقوا عليها صفقة القرن.

وانتقل الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، إلى مرحلة جديدة وفتح فصلا جديدا في تحقير العرب والاستهتار بهم والاستخفاف بهم وقضاياهم، وآخر تقليعات ساكن البيت الأبيض تتمثل في أنه يبدو عازما على توظيف الخطة التي وضعها لتصفية القضية الفلسطينية، والمعروفة بصفقة القرن، في محاولة تحسين فرص اليمين الصهيوني بالفوز في الانتخابات.

الصفقة

فعلى الرغم من إدراك ترامب أن أي طرف فلسطيني أو عربي لا يمكنه قبول هذه الخطة، إلا أن ترامب ينوي طرحها قبل الانتخابات الصهيونية المقرر إجراؤها في الثاني من مارس القادم، على اعتبار أن ذلك يساعد نتنياهو في صرف أنظار الرأي العام الصهيوني عن قضايا الفساد التي يواجهها، ويقلص الاهتمام بطلبه الحصانة من المحاكمة، ويمنح الليكود الفرصة لفرض جدول أعمال سياسي مريح له ولليمين.

ترامب يبدو جادا في طرح “الصفقة” البائسة لدرجة أن بني جانتس، زعيم تحالف “أزرق أبيض” المعارض، هاجم الإدارة الامريكية وحذرها من مغبة التدخل في الانتخابات لصالح نتنياهو.

طبعا جانتس لا يعترض على الخطة وما فيها من بنود تصفوية، بل على توقيت طرحها، حيث إنه يعي أن التوقيت يهدف إلى مساعدة نتنياهو في تحقيق انتصار في الانتخابات القادمة.

لكن استهتار ترامب بالعرب لا يقف عند هذا الحد؛ بل وصل إلى حد أنه توافق مع نتنياهو على أن يستغل الأخير الرفض الفلسطيني لـ”الصفقة” ويعلن ضم غور الأردن والمستوطنات للكيان الغاصب، بحيث يتبع ذلك اعتراف أمريكي بالضم، تماما كما تم الاعتراف بفرض “السيادة الصهيونية” على الجولان المحتلة.

وهو ما جعل قناة إسرائيلية تخرج بتقرير تقول فيه، إن صفقة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن الشرق الأوسط، هي صفقة بين نتيناهو وجانتس، ولا يوجد للعرب أي وجود فيها.

وذكرت قناة “كان” الصهيونية الرسمية، أن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس “لا يستطيع تنظيم مظاهرات ضد إسرائيل”، رغم إعلان جيش الاحتلال الإسرائيلي عن حالة الاستنفار والتأهب، تحسبا من الإعلان الأمريكي عن “صفقة القرن”.

وأشارت القناة الإسرائيلية إلى أنه “لا يوجد أي فلسطيني يقبل بصفقة ترامب”، لكن وقف السلطة للتنسيق الأمني هو لعب بالنار، لأنه سيسبب انهيارا للأمور، ولا أحد يمكن أن يعرف كيف ستنتهي، بحسب محللين إسرائيليين.

ولفت المحللون إلى أن “هدف الجيش والأمن الإسرائيلي الحالي، إقناع السلطة بعدم وقف التنسيق الأمني، رغم تدخل ترامب الفجائي الذي قد يقلب الأمور رأسًا على عقب”.

كيف؟

وليس أسوأ من “صفقة القرن” إلا رد فِعل السلطة الفِلسطينيّة الباهِت والمُخجِل تجاهها، رغم أنها تعرف التفاصيل كاملة، ولكنها تتعاطى معها وكأنها طرف محايد، أو غير معني، وليس ممثِلا للشعب الفلسطيني مثلما تدعي.

السيد نبيل أبو ردينة، المتحدّث باسم هذه السلطة، توعد باتخاذ إجراءات، وقال في بيانٍ رسمي: “سنطالب إسرائيل بتحمّل مسئوليتها كسلطة احتلال”، لكنه لم يقل لنا كيف سيتم التصدي لها رغم أنه لم تبق ساعات قبل إعلانها، ولم نر أي تحضيرات، ولو حتى لمظاهرة واحدة حتى الآن، وكم من الوعود سمعنا عن سحب الاعتِراف وإلغاء أوسلو وإنهاء التنسيق الأمني.

ترامب يريد تقديم هدية لنتنياهو قبيل إجراء الجولة الثالثة من الانتخابات البرلمانية الصهيونية، وتجنيبه أي ملاحقة قضائية بالتالي، مكافأة له على دوره في اغتيال سليماني، والرئيس محمود عباس يستقبل الزعماء المحتفين بالذكرى 75 لمحرقة “أوشفيتز” في مكتبه في المقاطعة، وكأنه شريك لهم في هذا الاحتفال، ولا يمثِل شعبًا هو الضحية الكبرى لهذه المحرقة، وكان الأشرف له، وهو المهمَش والمنبوذ، أن يغادر رام الله حتى لا يكون شاهد زور، ولكنه لم يفعل.

وتعد صفقة القرن مقترحا تقدم به ترامب وصهره كوشنر لإنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي على مقاس وتطلعات نتنياهو، وتهدف الصفقة إلى توطين الفلسطينيين خارج الأراضي الفلسطينية المحتلة.

ويعمل الأمريكان والصهاينة على إخراج الفلسطينيين من غزة والضفة وتوفير أرض بديلة لهم في سيناء، على أن تقام هناك دولة فلسطينية خارج فلسطين، كما شكل إعلان ترامب القدس عاصمة لإسرائيل تكريسا لأهداف صفقة القرن الخبيثة وهي التخلص من الفلسطينيين إلى الأبد، والتمهيد لحلف إسرائيلي خليجي لمواجهة إيران.

وفي الحقيقة شجّعت صفقة القرن أغلب الطغاة العرب على التوجّه إلى التطبيع مع الكيان الصهيوني من دون خجل، فالقاهرة التي يحكمها جنرال إسرائيل السفيه السيسي لا يخفي غرامه وعشقه لـ”نتنياهو”، حتى إنه أهداه أرواح 100 ألف معتقل يقتلهم كيفما شاء، وأحرق له الأخضر واليابس في سيناء، وهجّر أهلها وقتلهم، وتنازل له عن جزيرتي تيران وصنافير، وتنازل له عن حصة المصريين في غز البحر المتوسط.

واستضافت البحرين وزراء صهاينة من دون حَرَج، أما السعودية فقد حولت أرض الحرمين إلى ديسكو وماخور كبير للرقص والدعارة والخمور، وقدمت مليارات الدولارات سواء لترامب أو لنتيناهو، وباتت تضيق على الفلسطينيين وتعتقلهم، في الوقت الذي سمحت فيه للإسرائيليين بالمجيء للسعودية والتجول بغرض العمل أو السياحة، وربما في المستقبل القريب تمنح الصهاينة الجنسية الحجازية.

Facebook Comments