بالتزامن مع العيد القومي لمحافظة أسوان، أُقيمت الاثنين الماضي احتفالية الوفاء بالوعد لصرف تعويضات أهالي النوبة المتضررين من إنشاء السد العالي، ممّن تضرروا من بناء وتعلية خزان أسوان وإنشاء السد العالي .

القصة كاملة

على الرغم من الاعتراف الصريح في الدستور المصري الأخير بحق النوبيين في العودة إلى أراضيهم الأصلية وتنميتها، إلا أن السلطات المصرية انتهجت مجموعة من السياسات والقرارات التي تقوض بشكل فج هذه الحقوق.

تقع أرض النوبة جنوب مصر، بالقرب من الحدود السودانية عند خط عرض 22 شمالاً، على مساحة 350 كيلومترا شرقا وغربا. تجد ملامح البساطة والطيبة ترتسم على وجوه النوبيين، من دون أن تفوتك علامات الحزن الظاهرة، نتيجة الأزمات المتلاحقة التي يمرون بها، إذ يبدو أن لا جدوى من الوعود والقرارات الكثيرة بشأن عودتهم إلى أرضهم مرة أخرى، وبات ملف الحقوق النوبية ملفا أمنيا من الدرجة الأولى، لأن النوبيين حُرّاس مصر من الجنوب.

وبدأت الأزمة النوبية حين بدأ تنفيذ مشروع السد العالي، في وقت كانت الدولة المصرية تسعى لإثبات وجودها بين مصاف الأمم، وكان حلم ماء السد العالي يمثل قفزة حقيقية للأمة المصرية، للحفاظ على مياه نهر النيل من الهدر من طريق بحيرة ناصر، ولتوليد الكهرباء.

بدأت الهجرة الأولى للنوبيين مع بناء خزان أسوان عام 1902 الذي ارتفع معه منسوب المياه خلف الخزان، لتغرق 10 قرى نوبية، ويُهجَر أهلها. وبعد ذلك حدثت التعلية الأولى لخزان أسوان عام 1912، وارتفع منسوب المياه، وأغرق 8 قرى أخرى (قورتة والعلاقي والسيالة والمحرقة والمضيق والسبوع ووادي العرب وشاترمة). وجاءت التعلية الثانية للخزان عام 1933، وأغرقت معها 10 قرى أخرى، هي المالكي وكروسكو والريقة وأبو حنضل والديوان والدر وتوماس وعافية وقتة وأبريم وجزيرة أبريم. ومع بداية خمسينات القرن الماضي بدأت الدراسات لإقامة السد العالي، ورُحّل أهالي النوبة من خلف السد عام 1963 إلى هضبة كوم أمبو.

المتاجرة بالغلابة

وانتهج العسكر، فى توقيت غريب، صرف ما أُطلق عليه “تعويضات الضرر”، ويعوض صاحب الأرض “النوبى” بأرض أخرى على أن يجبر كسر الفدان إلى فدان لمن يهلك دون الفدان، ويكون التعويض في المناطق التالية:

– المنطقة الأولى.. خور قندي بمساحة 6000 فدان جاهزة للتسليم.

– المنطقة الثانية.. منطقة وادي الأمل بمساحة 1200 فدان جاهزة للتسليم الفوري أول ديسمبر 2019.

– المنطقة الثالثة.. الأراضي المتاحة للتعويض وفقا لخطة الدولة المستقبلية في التنمية، ويكون للمستحق طلب الحصول على التعويض النقدي بدلًا من الأرض القابلة للزراعة.

– ويكون التعويض النقدي عن الفدان الواحد مبلغ 25 ألف جنيه، على أن يجبر كسر الفدان إلى فدان لمن يملك دون الفدان.

– أما المستحقون للمساكن، فيكون تعويض مالك المسكن الواحد بمسكن آخر داخل أو خارج محافظة أسوان، ويكون التعويض بمناطق كوم أمبو، وإدفو بأسوان.

رفض حق العودة (444(

يقول الناشط الحقوقى والمحامي، طارق عبد العال، ملخصا الأمر فى “حق العودة”: يبدأ ذلك من القرار الجمهوري رقم 444 لعام 2014 الذي اعتبر أراضي 16 قرية نوبية أراضي حدود عسكرية، لا يجوز للمدنيين العيش فيها أو الاستفادة منها، مرورا بقراري رئيس الجمهورية 355 و498 لعام 2016، واللذين صادقا على مصادرة الكثير من الأراضي النوبية لمصلحة مشروع المليون ونصف المليون فدان. وأخيرا كان القانون رقم 157 لعام 2018 بشأن إنشاء هيئة تنمية الصعيد، والذي عصف بآمال النوبيين، بعدما غفل عن ذكر هجرتهم أو حقهم في العودة إلى أراضيهم. ورأوا أنه يمثل اغتصابا لحقهم في عودتهم للسكن على ضفاف بحيرة ناصر.

وأضاف عبد العال أن أهالي أرض الذهب ما زالوا بغالبيتهم يتمسكون بالحق في العودة إلى الديار الأصلية، والموطن الأم. وقد ازداد الأمل بعد صدور النص الدستوري، ولكن صدور مثل تلك القرارات الحكومية، والتي كان آخرها قرار تعويض أهالي النوبة عن الأراضي التي تمت مصادرتها، يمثل تقويضا واقعيا لهذا الحق أو هذا الحلم، فقبول التعويض عن المصادرة فعليا، يعني عدم القدرة على المطالبة بحق العودة، فانقسم أهالي النوبة ما بين مؤيد ورافض لمثل تلك القرارات.

صرف التعويضات مخالف

ويكمل حديثه، من الزاوية القانونية، فإن صدور هذه القرارات “أى التعويضات” يمثل تعارضا واضحا مع النص الدستوري سالف البيان، وهو ما يعني مخالفة صريحة لنصوص الدستور من جانب الحكومة، وتفريغا لحق العودة من مضمونه. وهذا بالفعل ما أجده تصورا حقيقيا لتصرفات الحكومة مع مشكلة النوبيين، إذ كيف يمكننا قبول نموذجين قانونيين متعارضين، أحدهما وهو الأعلى مرتبة بحسبه، وفقا لتوصيف القاعدة القانونية هو الأعلى مرتبة، وهو النص الدستوري، والآخر هو نص القرار الوزاري بإعداد قوائم لمستحقي التعويض. وهذا النص الأخير هو الآخذ في مسار التطبيق على أرض الواقع، بينما النص الدستوري على رغم مرور 6 سنوات من واقع 10 سنوات اشترطها الدستور كغاية نهائية للانتهاء من قضية عودة النوبيين، لم يرَ أي بادرة للتنفيذ أو أي إشعار يوحي برغبة الحكومة في السعي نحو تحقيق هذا النص.

ويتجلى موقف مصادرة حق العودة في تصرف الدولة مع ما تعارف عليه إعلاميا بقضية معتقلي الدفوف، والتي كانت تمثل حراكا مجتمعيا نحو تفعيل القضية النوبية من طريق المزاج النوبي الخاص بالعزف على الدفوف، وكأنها مسيرة ملحمية، أو أغنية نوبية في مرسم حق الرجوع، وكان ذلك في مناسبة دينية شعبية رسمية أيام عيد الأضحى المبارك عام 2017. حينها قبضت الشرطة المصرية على 32 مواطنا نوبيا، وسُجنوا لفترات عن طريق تمديد الحبس الاحتياطي، حتى مات القيادي النوبي جمال سرور، أحد من عرفوا بـ”معتقلي الدفوف”، داخل سجن معسكر الأمن المركزي في أسوان إثر إصابته بغيبوبة سكر في اليوم الرابع لإضرابه عن الطعام، الذي شاركه فيه معتقلون آخرون. فبدأت السلطة الإفراج عن المقبوض عليهم، إلى أن انتهت القضية رقم 26 عام 2017 طوارئ، بالحكم على البعض بغرامة مالية، وقضي للباقي بالبراءة.

أكذوبة مخابراتية

ويضيف الحقوقى طارق عبد العال أنه سرى إشاعة، في محاولة لتقويض تيار حق العودة سريان، مفادها أن النوبيين يسعون إلى الانفصال عن الدولة المصرية، وتكوين دولتهم الخاصة بثقافتهم وطرازهم النوبي الفريد، وهو ما لمّحت إليه الإدارة المصرية أكثر من مرة. وقارنت ذلك بما يحدث في بعض أقاليم دول أخرى، وهو الأمر الذي عبر عنه النوبيون بالنفي المطلق، وأنهم ليسوا من دعاة الانفصال، ولا يجب خلط الأمور ببعضها، أو تقليب الأوراق على نحو يغير مسار القضية النوبية، وفي أكثر من مناسبة وأكثر من حديث يؤكد النوبيون حلمهم في الرجوع إلى الديار من دون أي انفصال عن الدولة المصرية الأم.

ويشير إلى أنه لا بد من الإشارة إلى ما تضمنته الاتفاقيات الدولية المعنية بحقوق الإنسان في شأن حقوق الأقليات، ويأتي في الصدارة المادة 27 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والمادة 15 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وعلى سبيل التخصيص ما جاء في الاتفاقية الدولية رقم 169 بشأن الشعوب الأصلية والقبلية في البلدان المستقلة والصادرة عام 1988، والتي دخلت حيز التنفيذ عام 1991، وهي التي تدعم حقوق الأقليات، وخصوصا حق العودة إلى الديار الأصلية.

Facebook Comments