يرضع الطغاة العرب جميعهم من بقرة واحدة تقتات على حشائش الظلم، ويُعد القمع والقتل والإعدام والاختطاف علفًا أساسيًّا في وجبات البقرة الثلاث، لأجل ذلك لن تأخذك الدهشة عندما تطابق ما فعله طاغية عربي سقط، مع ما يقوم به آخر آيل للسقوط، ومن ذلك التطابق ما قام به المخلوع مبارك من قتل للمتظاهرين وقطع الإنترنت تزامنًا مع ثورة 25 يناير 2011، وهو نفس الغباء الذي يقوم به النظام في العراق الآن.

وبالعودة إلى ذاكرة الربيع العربي، وبعد ساعات من إذاعة خبر نجاح الثورة التونسية في إقصاء “بن علي” من الحكم وفراره من البلاد، انتشرت دعوات على مواقع التواصل الاجتماعي في مصر للتظاهر في 25 يناير 2011 بالتزامن مع عيد تقديس الشرطة.

وأسهمت مواقع التواصل الاجتماعي في تنظيم التحركات ونشر المعلومات قبل موعد التظاهر، وخرج الآلاف من المتظاهرين في الموعد المحدد مسبقًا من أماكن مختلفة في القاهرة، واجتمعوا في ميدان التحرير بوسط المدينة منددين بجرائم المخلوع مبارك وفساده، وانتشار البطالة والتعذيب الممنهج في أقسام الشرطة والسجون المصرية.

بقرة واحدة!

عصابة المخلوع مبارك من ناحيتها كانت قد اتخذت خطوات استباقية، بقطع الاتصالات للحد من أعداد المتظاهرين وإرباك حركتهم، وهو ما يجري الآن في العراق، حيث ارتفعت حصيلة الشهداء، الثلاثاء، مع تواصل الاحتجاجات الشعبية في محافظات عدة إلى 13 شهيدا.

ولم يهدأ غليان الشارع العراقي خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، وقال مسئول طبي: إن “متظاهرَين قُتلا خلال مواجهات مع قوات الجيش في ميناء أم قصر، أكبر موانئ البلاد الواقعة في محافظة البصرة اليوم”.

وقتل خلال الاحتجاجات 260 شهيدًا على الأقل خلال مواجهات بين قوات الأمن ومسلحي فصائل الحشد الشعبي الشيعية الموالية لإيران من جهة، والمتظاهرين من جهة أخرى، وفق أرقام مفوضية حقوق الإنسان العراقية.

وبينما استشهد خمسة متظاهرين قتلوا، الاثنين، وأُصيب نحو 7 آخرين وسط العاصمة العراقية جراء إطلاق القوات الأمنية الرصاص الحي عليهم لتفريقهم عند جسر الأحرار، تحاول قوات الأمن تفريق المتظاهرين باستخدام الرصاص الحي عند جسر الأحرار قرب جسر السنك المؤدي للمنطقة الخضراء، وذلك مع اندلاع حرائق في بنايات قرب وزارة العدل في بغداد.

مخابرات الجيش!

وأعاد مشهد ظهور ملثمين في مركبات حكومية يعتقلون متظاهرين في بغداد، وسط استمرار قطع الإنترنت، ما جرى في مصر إبان ثورة 25 يناير، من نزول قناصة من المخابرات الحربية التي كان يرأسها وقتها جنرال إسرائيل السفيه عبد الفتاح السيسي.

وهذه هي المرة الأولى التي يستخدم فيها الرصاص الحي في العاصمة بغداد منذ 25 أكتوبر الماضي، مع استئناف الموجة الثانية من الاحتجاجات التي انطلقت مطلع الشهر نفسه، وأسفرت حتى الآن عن استشهاد أكثر من 250 شخصا.

من ناحية أخرى، قال مرصد نتبلوكس لمراقبة الإنترنت، في بيان أصدره في ساعة متأخرة من مساء أمس، إن خدمات الإنترنت انقطعت في بغداد وأنحاء واسعة من العراق.

وأوضح المرصد أنه “في أثناء كتابة البيان انخفضت اتصالات الإنترنت العامة لما دون 19% عن المستويات المعتادة، مما قطع الخدمة عن عشرات الملايين من المستخدمين في بغداد، وتأثرت أيضا البصرة وكربلاء ومراكز سكانية أخرى”.

وتابع المرصد قائلا: “نعتقد أن الانقطاع الجديد هو أكبر انقطاع نرصده في بغداد حتى اليوم”. وكانت السلطات العراقية قد قطعت خدمات الإنترنت من قبل في مواجهة موجة الاحتجاجات.

الغباء متواصل

وفي الساعات الأولى من صباح يوم الثلاثاء 25 يناير 2011، حجبت حكومة مبارك موقع التواصل الاجتماعي، تويتر (Twitter)، وموقع البث المباشر بامبوزر (bambuser) ، وفي الثامنة من مساء نفس اليوم قطعت تغطية شبكات المحمول بمحيط ميدان التحرير.

وفي العاشرة والنصف من مساء اليوم التالي 26 يناير، عاد موقعي تويتر وبامبوزر للعمل بشكل محدود، وحُجب موقع التواصل الاجتماعي، فيسبوك، وأوقفت خدمات الـ”بلاك بيري”.

وفي ليل الخميس ٢٧ يناير، الساعة التاسعة والنصف مساءً تقريبًا، قُطعت خدمات الرسائل النصية القصيرة، وجميع خدمات الإنترنت عدا تلك المرتبطة بمزود خدمة الإنترنت، شركة “نور”، وهو المزود الوحيد الذي لم يتم قطع خدمته، حيث نقلت حكومة مبارك المعلومات المتعلقة بالتداول في البورصة والأوراق المالية وبعض العمليات الاقتصادية إليه، واستمر قطع تلك الخدمات ما بين الأيام 28 و31 يناير 2011.

وفي جمعة الغضب، 28 يناير تم وقف المكالمات الصوتية في شركات التليفون المحمول الثلاث، ووقف خطوط الهاتف الأرضية في بعض المناطق لمدة ساعات، وكذلك حجب القمر الصناعي نايل سات.

وفي يوم 31 يناير، تم قطع خدمة الإنترنت عن آخر مقدمة خدمة، وفي ٢ فبراير ٢٠١١ تحديدًا الثانية عشر مساءً أعيد تفعيل خدمات الإنترنت، وجرى تفعيل خدمات الرسائل النصية القصيرة في ٦ فبراير.

وعلى الرغم من الارتباك الذي أحدثه قطع الاتصالات، إلا أن الاحتجاجات تصاعدت وانتشرت في أرجاء محافظات مصر المختلفة، ومع عنف الجهاز الأمني في التصدي للمتظاهرين، تخطت المطالب حاجز التنديد بممارسات الأجهزة الأمنية، إلى المطالبة بتنحي مبارك وإسقاط النظام.

استمرت التظاهرات المطالبة بتنحي مبارك طيلة 18 يوما، إلى أن أعلن مدير المخابرات العامة عمر سليمان في ١١ فبراير ٢٠١١ عن تنحي المخلوع مبارك عن الحكم، وتولي عصابة المجلس العسكري شئون البلاد لفترة انتقالية، امتدت حتى إجراء الانتخابات الرئاسية في منتصف العام التالي 2012، ثم انتهت بانقلاب قاده السفيه السيسي في 2013.

Facebook Comments