"ماذا ينتظرنا بعد ذلك يا الله؟ بتنا نبحث عن الطعام في الشوارع كالحيوانات، ونشرب من مياه الآبار، ماذا يحمل الغد لأحفادي الذين لا أدري ما إن كنت سأصل إليهم أم ستفصلني عنهم إحدى قذائف "الدواعش"؟ لا أدري يا ربي ماذا ينتظرنا في الموصل"… هكذا تحدثت سيدة عراقية من الموصل!!.. بهذه الصورة المأساوية بدأت صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية تقريراً موسعاً عن وضع مدينة الموصل العراقية التي وقع مواطنوها بين رحى الحرب التي تشنها القوات الحكومية ضد تنظيم "داعش" وسندان العوز والاحتياج للإمدادات من الغذاء والماء النظيف.

وجاء الشتاء ببرودة جوه وفقر الدفء وغياب شمس العراق الدافئة، ليسيطر على المشهد جليد يحافظ على لونه الأبيض ما لم ينتهكه لون الدم الأحمر، ليزيد ذلك من المعاناة.

عجز الجميع:
واقع الحال هو أن هناك أكثر من 3.5 مليون مواطن عراقي يفتقرون إلى سبل الحياة الأساسية من مأكل ومياه نظيفة للشرب وإسعافات أولية باتت ضرورية كالغذاء مع اندلاع المعارك، فأصبح المواطن لا يعرف من أين ستأتيه القنبلة!

الآن الكثير من هؤلاء السكان يفتقرون حتى إلى الخدمات الأساسية؛ فمع استمرار القتال انقطعت المياه عن عدد متزايد من أحياء المدينة، وبات أهلها مضطرين إلى اللجوء لمياه الآبار، وهي ليست آمنة بما يلزم، كما باتت الحكومة وحتى وكالات الإغاثة التابعة للأمم المتحدة عاجزة عن توزيع المساعدات من غذاء ودواء إلى جميع المحتاجين.

وهكذا وقع ما حذرت منه وكالات الإغاثة؛ حيث بدأ السكان في الهجرة الداخلية، متنقلين من حي إلى آخر؛ بحثاً عن الطعام أو للهروب من القصف.

وحتى تكتمل مأساة هؤلاء المدنيين، فإن جانباً كبيراً من الموصل لا يزال واقعاً تحت قبضة "داعش"، تلك المناطق باتت محرمة على غير أهلها الذين يعيشون فيها؛ حيث فرض "الدواعش" حصاراً صارماً على هذه المناطق، ومنعت الخروج منها أو الدخول إليها، بل فرضت تسعيرة خاصة للمواد الغذائية والماء، مستغلة حالة النقص في هذه الاحتياجات الضرورية للحياة.

وتحدثت وكالات إنسانية عن عدم امتلاكها ما يكفي من المساعدات لتلبية حاجات المحاصرين في الموصل.

الحرب والجوع:

ونقلت "واشنطن بوست" عن جاسم العطية، نائب الوزراء العراقي لشؤون الهجرة والنزوح، قوله إن أكثر من 150 ألف "موصلي" نزحوا من المدينة إلى مخيمات الإيواء على أطرافها، بينما قرر أكثر من مئات الآلاف عدم ترك منازلهم، رغم كل الظروف القاسية، هؤلاء أيضاً -كما يقول العطية- في حاجة إلى مساعدات، ولكن مشكلتهم أكبر من هؤلاء الذين نزحوا عن الموصل، حيث يتهددهم خطر الحرب، إضافة إلى خطر الجوع والعطش.

ومن السيدة العجوز في بداية المشهد "الموصلي" إلى شاب في الثلاثينيات من العمر، معه والدته وأخواه الصغيران، يتحدث الشاب يونس صبري بلهجة تحمل الغضب واليأس من واقع لم يصنعه ولا يريده فيقول: "لا يوجد للمواطن سوى أحد خيارين، إما أن ينتظر الموت بقنبلة تسقط عليه من السماء دون أن يعرف إن كانت لداعش أو للقوات العراقية، أو ينتظر الموت البطيء؛ فهو لا يجد الغذاء ولا الماء ولا الوقود، وقد أعلن الشتاء عن تشريفه، خياران ينتهيان بالموت، ولكن بطريقة مختلفة".

ويضيف متهكماً: "ربما يكون هذا هو التغيير الذي تحدثت عنه الولايات المتحدة الأمريكية". 

Facebook Comments