يجرّ الحاج “صالح” بسنواته الخمسين طوال النهار عربته الخشبية ذات العجلتين والذراعين وعليها شواية البطاطا، غير آبه بأخبار فيروس كورونا ولا يملك رفاهية شراء القفازات والماسك الواقي، وبوجهه الشاحب ينادي “يا معسلة أوي يا بطاطا.. يا حلاوة الغلابة” في شوارع وحواري القاهرة، ثم يعود منهكًا خائر القوة مهدود البنيان إذا ما جنّ عليه الليل متكئا على الجدار، محاولا عبور مياه الصرف الصحي المنتشرة قرب عشته المتواضعة، ليصل في النهاية إلى حيث يقطن وزوجته وأولاده السبعة.

أمام بيته أو قل ما شئت “كوخ من الطين والطوب اللبن وسقف كرتوني”، يقف أبناء صالح في انتظاره هربا من مياه الأمطار التي أوهنت الكوخ المكوّن من 4 جدران ويضم 3 “مراتب” ملقاة على الأرض الطينية، و”وابور الجاز”، وحشرات متراكمة في الأرجاء، فضلا عن الفئران والثعابين التي تأتي عن طريق مياه الصرف المحيطة بأسرة صالح، إذ يتقاسم الجيران دورة مياه واحدة.

حزب العصابة

لم ير حزب “مستقبل مصر”، الموالي لحكومة الانقلاب والمدعوم من المخابرات، ملايين المصريين مثل “صالح” وهو يوزع ماسكات واقية من فيروس كورونا، وبدلا من توزيع الأدوات الوقائية الطبية على أمثال صالح وأسرته الفقيرة في المناطق التي تعج بالمحتاجين وغير القادرين، قام حزب المخابرات بتوزيعها في منطقة التجمع الخامس، المعروفة بثراء سكانها, وهو ما يعد استفزازا واضحا للفئات المهمشة والتي ترزح تحت خط الفقر.

يقول الحاج “صالح”: “دخلي 500 جنيه في الشهر لا تكفي لشراء المطهرات ولا الكمامة إذا ما اشتريت بها الطعام”. ويضيف: “بعد ثورة 25 يناير، كان لدينا أمل كبير في الانتقال من تلك المنطقة إلى منطقة أفضل، خاصة بعد القضاء على المسئولين الذين يسرقون الشقق المخصصة لسكان المناطق العشوائية، لكن للأسف لم يحصل شيء، وظل الفساد منتشرا حتى الآن، وتضاعفت المناطق العشوائية وامتدت”.

“صالح” لم يعد قادرا على ممارسة وظيفته كحارس أمن في إحدى الشركات الخاصة، فيضطر أحيانا إلى إرسال ابنه الأكبر بدلا منه في بعض الأيام التي تتدهور فيها حالته الصحية، حتى لا يتعرّض للخصم من مرتبه.

تتدخل زوجته “ميرفت”، ويبدو عليها الشحوب: ”كمامات إيه يا بيه.. أنا بس نفسي أعيش لحدّ ما أجد شقة أسكن فيها وأسرتي وأشعر بإحساس الآخرين نفسه إني إنسانة وأترك المنطقة العشوائية”.

حالة صالح وأمنية زوجته تتشابه و17 مليون مواطن مصري، وهو ما يعادل تقريبا 18% من الأسر تسكن العشوائيات في محافظات مصر، وذلك وفقا لتقديرات الدكتور أبو زيد راجح، الرئيس السابق لمركز بحوث الإسكان والبناء والتخطيط العمراني.

وكشفت دراسة صادرة عن “المركز الديموغرافي” في القاهرة للدكتورة نادية حليم، كشفت أن النمو السكاني للعشوائيات يرتفع بنسبة 34% سنويّا، كما هو الوضع في عشوائيات قسم السلام في القاهرة، وفي عشوائيات أخرى يصل النمو إلى 9% سنويًّا، كما هو الوضع في عشوائيات منطقة البساتين في القاهرة.

يقول الناشط بدر فوزي: “طيب ما يروح منطقة شعبية عشوائية يوزع ماسكات ومعقمات، ويعمل تسجيلات توعية تلف فى الشوارع توعى الطبقات اللى فعلا مش حاسة بخطورة الموقف”.

وتقول شيماء عيد: “رايحين ياخدوا اللقطة في مصر الجديدة اللي أهلها مش محتاجين توعية أصلا، وواخدين ماسكات من الأولى أنها تكون في المستشفيات، عندك ماسكات زيادة وديها أي مستشفى جنبك وابقى اتصور براحتك”.

ويقول رمضان السيد: “يعنى هى الناس اللى ساكنة فى التجمع محتاجة ومش معاها يا حرام ثمن الكمامة؟ يا ناس انزلوا شبرا الخيمة ودار السلام وإمبابة ومصر القديمة ووزعوا عيش وسكر وأرز ومكرونة.. الناس دى مش لاقية تجيب رغيف العيش بجد؛ لأن أكثر هذه المناطق عياشة باليوم الواحد والدنيا كلها أغلقت أبوابها”.

الوضع تدهور

وإذا كان الوضع السياسي والحقوقي بعد سنوات من انقلاب جنرال إسرائيل السفيه عبد الفتاح السيسي مظلما، فإن الوضع الاقتصادي تدهور هو الآخر بشكل غير مسبوق، حيث ذهبت وعوده في الأعوام السابقة بخفض الأسعار أدراج الرياح.

ورغم ارتفاع الجنيه المصري أمام الدولار خلال الأشهر القليلة الماضية، وتغنّي عصابة العسكر وإعلامه بهذا باعتباره انتصارا اقتصاديا، فإن ذلك لم ينعكس إيجابا على الأسعار التي تتزايد يوما بعد يوم، وكانت آخر سلسلة من رفع الأسعار قبل فترة وجيزة، عندما رفعت حكومة الانقلاب أسعار المحروقات.

وعلى مستوى الأرقام، نشر البنك الدولي في أبريل الماضي تقريرا أورد معطيات مفادها بأن 60% من المصريين إما فقراء أو عرضة للفقر، كما انخفضت قيمة الناتج المحلي من 335 مليار دولار قبل تعويم الجنيه إلى 230 مليارا في العام الماضي.

وقال اقتصاديون، إن السياسات الاقتصادية في عهد السفيه السيسي أدت إلى ارتفاع معدل التضخم لمستويات غير مسبوقة، وإن البلاد غرقت في عهده بالديون.

ووفق تقرير لوزارة المالية في حكومة الانقلاب لشهر مارس الماضي، فقد ارتفع الدين العام إلى ما يعادل 107% من الناتج المحلي الإجمالي، وبحسب أحدث بيانات للبنك المركزي المصري، ارتفع متوسط نصيب الفرد من الدين الخارجي إلى 906.3 دولار نهاية عام 2018، مقابل 387.7 دولار في يونيو 2012.

وينتقد اقتصاديون ما يعتبرونها مشاريع عملاقة بدأها السفيه السيسي لم تدرس جيدا، على رأسها توسعة قناة السويس التي تم الانتهاء منها على عجل تحت إشراف الجيش.

ويقول الباحث بمعهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط تيموثي قلدس، إن “الركائز الثلاث الرئيسة التي وعد بها هي: الاستقرار والنمو الاقتصادي والأمن، وقد فشل في الثلاث”.

ويضيف “وبالتالي فإنهم يخاطرون أكثر.. إذا كان بوسعهم المضي بتوسيع قمعهم لأهداف عليا والإبقاء على الناس تحت السيطرة، فلماذا لا يفعلون؟”.

Facebook Comments