مما لا شك فيه أن مصر تدار بالرشوة منذ عصور سحيقة، وتزدهر تلك الرشوة أكثر عندما تسيطر على الحكم عصابات وعائلات أشبه ما تكون بالمافيا، عندها يتجلى المثل الشعبي القائل “الجنيه غلب الكارنيه”، ولم يكشف النائب في برلمان الدم “منجود الهواري” جديدًا عندما صبَّ غضبه على عصابة الانقلاب.

الرجل معروف عنه أنه “بلطجي الفيوم”، ومع ذلك ذكّرهم بخدماته الجليلة التي لم يفصح عن طبيعتها، كل ذلك على صفحته بـ”فيس بوك”، تلك خلافات طبيعية جدا تحدث في كل عصابة، أحدهم يشعر بالدونية لدرجة أن ابنه لم يقبل في النيابة، أول سلالم القضاء الشامخ، وتكوين الثروة والنفوذ، فهل توقف التعيين بالكوسة؟ يسأل منجود، وترد عليه العصابة “لا يا عزيزي إنما مركزك أصبح لا يرتقي لمستوى الكوسة المطلوبة لتعيين ابنك في النيابة”.

“شرشحة على السوشيال”

نجحت خطة “منجود” في أن تجعل عصابة الانقلاب تتراجع عن رفض دخول نجله إلى عالم المحسوبية والرشوة والكوسة، فأكثر ما تخشاه العصابة أن يفضح واحد منها أمرهم على السوشيال ميديا، وينطبق عليهم المثل القائل “إذا تخاصم اللصان ظهرت السرقة”، وجاءت الأوامر إلى النائب في برلمان الدم أن يتبرأ من “البوست” ويخرج للإعلام يتهم اللهو الخفي بتدبير الأمر، في مقابل السير في إجراءات تعيين ابنه في مغارة علي بابا، ليغترف كغيره من القضاة المرتشين الذهب والياقوت والمرجان.

خرج منجود الهواري إلى الإعلام، ونفى صحة ما تداولته مواقع التواصل الاجتماعي، حول غضبه من عدم قبول نجله في الدفعة الجديدة من النيابة العامة، وزعم “الهواري” أن الصفحة التي تداولت المنشور مفبركة، لافتًا إلى أنها تستهدف الإساءة له ولأسرته ومؤسسات الانقلاب عن طريقه، خصوصًا مع اقتراب مسرحية انتخابات برلمان الدم.

ويفتح البوست الذي نشره “منجود” ثم تبرأ منه، بعد أن حقق هدفه، باب الحديث عن فساد القضاء، ويعتقد الكثيرون خطأ أن الفساد يعنى فقط الفساد المالي المتعلق بالرشوة، في شتى صورها المالية والعينية أو حتى الجنسية، وهذا جزء يسير فقط من فساد تلك المنظومة التي أسسها العسكر، وهناك أوجه أخرى للفساد لا تقل خطورة عن الرشاوى؛ فالقضاة الذين يُنتدَبون بوزارات ومصالح حكومية ودواوين محافظات؛ كيف ينظر هذا القاضي في قضايا تختصم الجهة التي يقبض منها راتبه وينتدب بها؟

وعندما تمنع العصابة تعيين نجل “الهواري”، بغض النظر عن فساد والده، يدخل ذلك تحت بند توريث المناصب القضائية، واختيار أبناء القضاة دون غيرهم ودون النظر إلى كفاءتهم وجدارتهم بالمنصب الرفيع؛ ألا يعد ذلك فسادا يدمر الوطن ويبث اليأس والقنوط في زهرة شباب الوطن؛ عندما يرى خريج الحقوق الحاصل على تقدير امتياز، ليس ابن الهواري بالطبع، أو جيد جدًا نفسه فى الشارع، في حين أن ابن المستشار الذى نجح بتقدير عام مقبول أو قد يكون قد رسب عدة سنوات فى كلية الحقوق كانت كفيلة بأن تجعل منه أفشل محام فى مصر؛ يعتلى منصة القضاء ويشغل وظائف النيابة؟! بل إن أحد القضاة لم يتورع عن تبرير هذه الجريمة الشنعاء فقال إن تقدير «مقبول + بيئة قضائية = امتياز»!.

القضاء بالرشوة

يقسم المراقبون أن هذا الكلام الأعوج يعد افتئاتا على الحق، والحقيقة أنه لا يوجد إلا في مصر، ألا يعرف السيد المستشار أن القاضي الجاهل أخطر على العدالة من القاضي المرتشي؟!، أي أن ابن منجود الهواري سيكمل دائرة الفساد بصعوده إلى منصة القضاء بالرشوة، ولما فُرض قانون يشترط الحصول على جيد على الأقل فيمن يتقدم لشغل الوظائف القضائية، لم ييأس بعض رجال القضاء، فبحث قضاة التوريث عن ثغرة وباب خلفي لدخول أبنائهم الفاشلين، فاخترعوا حكاية دفعة المساعدين التي تقبل معاوني نيابة بتقدير مقبول فقط.

الخلاف الذي أثاره “منجود” مع أسياده في عصابة الانقلاب التي تدير المشهد، أعاد الحديث عن قبول 400 ضابط من خريجي كليات الشرطة في دفعة النيابة العامة الأخيرة، التي تسلمت عملها منذ شهور، وأطلق عليها “دفعة الشهيد هشام بركات”، وبلغ عدد أعضائها 797 عضوًا، وهو ما فتح الباب مجددا أمام سيطرة عائلات معينة على القضاء في الوقت الذي انتقدوا فيه عمليات تعيينات وكلاء النيابة العامة بسبب التوريث في القضاء.

ومنذ انقلاب السفيه عبد الفتاح السيسي، تكررت وقائع ضبط قضاة في جرائم مخلة بالشرف، ما بين رشوة وصلت لعشرات الملايين، وتجارة في المخدرات، الأمر الذي أثار الجدل حول طريقة تعيين أعضاء النيابة، والتي تعتمد على المحسوبية والوساطة، والتمييز الاجتماعي، في ظل تصريحات متتابعة لوزراء العدل في حكومات الانقلاب، حول حرمان أولاد الطبقات الشعبية من التعيين في النيابة بحجة وضعهم الاجتماعي، وإقرارهم بمبدأ غير دستوري أن البيئة القضائية أولى بالتعيين، في إشارة إلى توريث المناصب القضائية.

Facebook Comments