عاتبنى صديقى المحبط قال: كيف تشمت فى فلان وقد ورد النهى عن الشماتة، وأنت أعلم منى بذلك؟

قلت: نعم، شمت فيه، وسأشمت فى أمثاله مع كل فضيحة لهم -وفضائحهم لن تنتهى، ولن أتردد فى كل مرة فى إعلان ذلك؛ لإدخال السرور إلى قلوب المؤمنين..

قال: هذا كلام غريب!

قلت: بل الغريب يا صديقى هو ما حشوا به أدمغتنا من أحكام ليس لها أصل فى الدين، لما قالوا لا تجوز الشماتة وسكتوا، ولم يفرقوا بين الشماتة فى المسلم المحسن، والشماتة فى المنافق أو الظالم أو الكافر وأعوانهم..

يا صديقى! الشماتة المنهى عنها هى الشماتة فى أخيك المسلم الذى تعلم عنه الصدق، فهى حسد وبغضاء، ومجلبة لعقاب الله. أما الشماتة فى الظالمين وأعوانهم فهى علامة ولاء للمؤمنين، وبراء من المنافقين والمجرمين، واعتراف بفضل الله –تعالى- على عباده المستضعفين، واليقين فى نصره، والثقة فى الوفاء بوعده.

قال: لكن النبى -صلى الله عليه وسلم- استعاذ من الشماتة؟

قلت: نعم، واستعاذ منها النبيون من قبله فقال موسى: (فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) [الأعراف: 150] وقال المصطفى: «أعوذ بك من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء…»؛ وهذا ليس معناه تحريم الشماتة فى الأصناف التى ذكرتها وأجاز العلماء الشماتة بها -إنما هو دليل على أن الشماتة تفعل ما لا يفعله السيف، وأنها أبلغ فى تأثيرها من القتل، والنصوص تلفت المؤمنين إلى ضرورة استخدام هذا السلاح -وليس منعه- لتحطيم قوى الخصوم النفسية، وإهانتهم وكبتهم فلا يرفعوا رءوسهم أبدًا، كعبد الله بن أبى الذى فضحه الله حتى هلك -وكان ذا أهل وعشيرة- فلم تُرعد له أنف كما كان يظن، ولم يُسمع له صوت.

يا صديقى! إن من نفرح لفضائحهم وهلاكهم اليوم هم من قال الله فيهم (إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) [آل عمران: 120]؛ هم من جمعوا كل قواهم وطغيانهم لقتلك والخلاص منك وممن خلفك، هم من شوهوا صورتك، بل صورة الإسلام، هم من قتلوك، وسجنوك، وأهانوك، واغتصبوا حرائرك. أتأتى اليوم يا صديقى وتمنعى الفرح فيهم؟

أفرح اليوم يا صديقى فرح من استجاب الله دعاءه، وحقق مناه، ولم يخيب رجاءه، أفرح -والفرح مشاعر طبيعية لدى الأسوياء- كما فرح الصديق أبو بكر، حتى سجد لله شكرًا لما أتاه خبر موت مسيلمة، وكما فرح إبراهيم النخعى لما مات الحجاج- وقد كان يُضرب بهذا الملعون المثل فى الحفظ والعلم، لكنه كان قاتلاً مستحلاً دماء المسلمين، أفرح لفتوى العبد الصالح الإمام أحمد -وهو صاحب أشهر تجربة فى هذا الموضوع- لما سُئل: الرجل يفرح بما ينزل بأصحاب ابن أبى دؤاد -صاحب بدعة خلق القرآن التى سُجن وعُذب فيها الإمام- أجاب: ومن لا يفرح بهذا؟

كيف لا أفرح يا صديقى فيمن أطلق لفظ جهاد النكاح فقذف به المؤمنات المحصنات، وقد فضحه الله فى ابنته؟ وكيف لا أفرح فيمن تقوّل على أولياء الله ونسائهم فكبته الله بعدما انتشر له «الفيديو» الأخير وهو على هذه الصورة الشاذة المقززة من الإثم، والجزاء يا صديقى من جنس العمل، ولا راد لقضاء الله إذا أراد بقوم سوءًا..

يا صديقى! استفت قلبك، واسأل نفسك: ألست تدعو على هؤلاء المجرمين؟ ألست تتمنى فضيحتهم وهلاكهم؟ فلم لما استجاب الله دعاءك وفضحهم أو أهلكهم تمتنع حتى عن إعلان الفرح بفضل الله عليك؟ لعمرى إنه لعجز فى الرأى وقصور فى الفهم، وفساد فى التأويل غيَّب ما ورد فى هدى النبى «… وأما العبد الفاجر فيستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب».

لم نؤمر يا صديقى بكتمان شماتتنا فيمن ناصبونا العداء، ودعوا إلى قتلنا، وحرضوا على انتهاك حرائزنا، بل الرأى الصواب أن نظهر الفرح فيما حل بهم من مصائب، ولحقهم من فضائح؛ فهذا فضل الله على الناس ورحمته بمن طالهم إجرام هؤلاء الظالمين.

يا صديقى! لا شيء أفتك -كما ذكرت- بهؤلاء من الفرح بمصائبهم، والتندر بفضائحهم والشماتة بهم، وإيصال هذه المشاعر إليهم؛ كى يذوقوا ما ذقنا، ويلاقوا ما لاقينا، ولا شىء أشد عليهم من هذا كما قال الشاعر (كل المصائب قد تمر على الفتى… فتهون غير شماتة الأعداء)؛ لعلهم ينتهون عن أذاهم وعما اقترفت أيديهم.. فلا يزال قدر الله يعمل فيمن لم يعد منهم حتى يستقيم الحال وحتى يزهق الباطل ويزول، فلا تكون فتنة ويكون الدين كله لله.

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

Facebook Comments