بادرت منصة "نحن نسجل" على مواقع التواصل الاجتماعي إلى عمل التحقيقات الاستقصائية لا لتسلط الأضواء على الفساد وفقط، بقدر ما يوضح أنه لا سبيل للولوج إلى عالم الاستثمار والأعمال في مصر إلا عن طريق المؤسسة العسكرية أو أحد أبنائها أو أحفادها وذرياتهم.

ووسعت "نحن نسجل" نطاق بحثها في التحقيق الذي تجريه حول فساد اللواء "البدراوي"، لنصل إلى صورة ابنه "محمود" صاحب شركة للمقاولات تم إسناد مشاريع لها بشكل مباشر من الهيئة الهندسية للقوات المسلحة.
واستعانت المنصة الحقوقية بفيديوهات سابقة للمقاول والفنان محمد علي، عن المميزات التي حصل عليها اللواء أحمد نعيم البدراوي رئيس الدائرة الهندسية في الجيش، ورئيس شركة الصعيد العامة للمقاولات السابق، والرئيس الأسبق لشركة أسمنت العريش، التي وردت في وثائق بنما المرتبطة بعلاء مبارك وإنقلابيي المجلس العسكري، فضلا عن كشفه عن فساد اللواء البدراوي، وتحويل عمولات لحسابه بالملايين إلى بنوك سويسرا.
وكشف "علي" أن "البدراوي" يتقاضى 1.5%من إجمالي مشاريع الهيئة، بخلاف ما يتقاضاه تحت مسمى "بدل الولاء" الذي يمنحه السيسي من الذهب للواءات كما يمتلك فيلا ضخمة وعالية القيمة في الشروق، إضافة لـ60 فدانا في سرابيوم بالإسماعيلية و100فدان في مطروح.

وتساءل التحقيق "فمن يراقب شركات الجيش؟ ومن الذي يستطيع أن يحاكم العسكريين السابقين على فسادهم؟".

ودعت "نحن نسجل" النائب العام والجهات الرقابية في مصر، لفتح تحقيق حول ما ورد في وثائق بنما وغيرها، للتأكد من صحة ما تم ذكره من عدمه، إن كان هناك جدية في محاربة الفساد كما يذكر دوماً عبد الفتاح السيسي.
ومن أقواله الأخيرة في 12 يوليو 2020 "حقك إن محدش يغتصب أرض بلدك ويغتني منها وانت قاعد تتفرج عليه"، وذلك أثناء افتتاحه المرحلة الثالثة من مشروع إسكان "الاسمرات"،والذي شاركت شركة الصعيد العامة للمقاولات، المتورطة بفساد وتهرب ضريبي في تنفيذ وحداته.

غطاء قوانين السيسي
وأضافت "نحن نسجل" أن الفساد يحوّل الموارد من الفقراء إلى الأثرياء، ويزيد من كلفة إنشاء الأعمال التجارية، ويحرّف مسار الإنفاق العام، ويردع المستثمرين الأجانب.

وبين كيف تقوض العسكرة العدالة الاجتماعية، وتظهر أن تحييد وتقويض سلطات البرلمان والأجهزة الرقابية عن المؤسسة العسكرية وغيرها يؤدي إلى وقائع تربح من الشركات التي تنشئها تلك المؤسسات أو الشركات التي يتم إسناد مشاريع لها من خارج تلك المؤسسات، وهو ما يفتح المجال للفساد المالي وسوء توزيع موارد الدولة، وإهدارها، وتغييب العدالة الاجتماعية، ومحاباة الأقارب، والتهرب الضريبي وهي كلها أشكال لكسب غير مشروع.

طرف الخيط بحسب المنصة كان وصف محمد علي اللواء البدراوي بأنه أحد رؤوس الفساد في القوات المسلحة. وذكر "محمد علي" ضمن مجموعة من المعلومات أنه كان مشاركا لابن اللواء البدراوي، وأن الطريق لدخول عالم المقاولات الخاص بالقوات المسلحة للمدنيين لا يأتي إلا بمشاركة أحد أقارب الضباط، وذكر نصاً في لقائه مع برنامج "بلا قيود" على قناة BBC عربي، هذه الجملة: "حسب الرتبة إللي أنت تعرفها حسب المستوى إللي هتعيش فيه".

وأثبتت المنصة الحقوقية "قيام القطاع الحكومي بتسهيل وإرساء تعاقدات لصالح المؤسسات التابعة للقوات المسلحة، مستغلين في ذلك القانون رقم 89 لسنة 1998 والذي تم تعديله لاحقاً بالقانون رقم 182 لسنة 2018، والمختص بتنظيم التعاقدات التي تبرمها الجهات العامة".
وأضافت أن ثغرات القانون بتعديلاته يجيز للجهات والمؤسسات الحكومية التعاقد بشكل مباشر مع شركات الجيش دون التقيد بالإجراءات السابقة الخاصة بالمزايدات والتعاقدات وذلك لاعتبارات الأمن القومي، وهي عبارة فضفاضة لم يتم وضع ضوابط لها أو آليات للرقابة، ومع غياب الشفافية وعدم وجود آليات للمراقبة والمحاسبة فإن شبهات وقائع الفساد تزيد.

رأس فساد
تخرج اللواء أركان حرب مهندس "أحمد نعيم علي حسن البدراوي" من الكلية الفنية العسكرية، وسبق أن حصل على وسام الشرف وهو ثاني أهم وسام عسكري بعد نجمة سيناء في مصر تكريما لدوره في تحرير ركاب طائرة مصر للطيران في مدينة الأقصر عام 1976وكان حينها برتبة نقيب بالقوات المسلحة.
وتقلد البدراوي العديد من المناصب داخل القوات المسلحة المصرية كان آخرها تعيينه رئيساً للهيئة الهندسية للقوات المسلحة، ومع وصوله لهذا المنصب ظهر نمط مختلف من الثراء على اللواء وأسرته، ولقد استمر في هذا المنصب برتبة لواء أركان حرب حتى أنهى خدمته العسكرية ببلوغه سن المعاش في عام 2010، ليصبح من مستحقي المعاش العسكري وهذا بخلاف مكافأة نهاية الخدمة، وهي كلها مبالغ مالية يحصل عليها البدراوي طبقا للقانون.

بعد خروجه على المعاش، أصدر وزير الدفاع حينها المشير حسين طنطاوي القرار (الرابط) رقم 42 لسنة 2010 بشأن إنشاء شركة العريش للإسمنت (إحدى شركات جهاز مشروعات الخدمة الوطنية) وهذا بتاريخ 12 يوليو 2010، على أن يكون اللواء أحمد البدراوي رئيساً لمجلس إدارة الشركة، لينتقل بعدها اللواء ليصبح رئيس مجلس إدارة شركة الصعيد للمقاولات العامة والإنشاءات العقارية والعضو المنتدب فيها، وهي الشركة التي سيظهر اسمها في وثائق بنما المسربة.

وثائق بنما

وأضاف الاستقصائي أنه في شهر أبريل عام 2016، نشرت الصحيفة الألمانية زود دويتشي تسايتونج ما يقارب 11.5 مليون وثيقة سرية لشركة موساك فونسيكا للخدمات القانونية في بنما، تعتبر الشركة من الشركات الرائدة في مجال الخدمات القانونية على مستوى العالم؛ حصلت الصحيفة على تلك الوثائق من قبل مصدر مجهول، وقد شاركتها مع الاتحاد الدولي للمحققين الصحفيين، وقد عرف هذا التسريب باسم "وثائق بنما" .

أظهر التسريب كيف ساعدت الشركة رؤساء دول وشخصيات بارزة في التهرب الضريبي عبر إنشاء ملاجئ ضريبية غير قانونية في الأغلب، بالإضافة إلى عمليات تبييض أموال عبر شركات عابرة للحدود، ضمت الوثائق مستندات توثّق تحويلات بنكيّة سرية مع شركات وهمية بقيمة 2 مليار دولار. تضمنت الوثائق اسم علاء مبارك ابن الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك وفق صحيفة الجارديان.

وتضمنت الوثائق ضمت أسماء أشخاص وشركات أخرى كان منها اسم شركة الصعيد العامة للمقاولات، وكانت آخر شركة تولى اللواء البدراوي رئاسة مجلس إدارتها وصدر قرار تعيينه فيها في 23 يونيو 2014، ليستمر في عمله على رأس مجلس إدارتها حتى شهر يناير لعام 2019، مما يجعل اللواء جزء من التسريبات التي ظهرت في عام 2016.
حصل اللواء البدراوي على صفة عضو بمجلس إدارة شركة الصعيد ممثلا عن شركة الصفوة للمقاولات والإنشاءات، وورد اسم شركة الصعيد ضمن الوثائق كشركة تقوم بممارسات تجارية مشبوهة في الملاذات الضريبية الآمنة، وتقوم بغسيل أموال تحت شركة "Greville Investments Limited" في جزر الباهاما.

قضايا تهرب ضريبي
المثير أنه تم عزل اللواء البدراوي من رئاسة الشركة في يناير 2019 على ذمة قضايا تتعلق بالتهرب الضريبي، والأكثر إثارة أنه قد صدرت بالفعل أحكام قضائية ضد الرجل كان السبب الرئيسي الذي دفع شركة بايونيرز القابضة لإقالته من منصبه. وهو ما يعزز صحة الاتهامات الخاصة بالتهرب الضريبي، لكن الغريب أنه بينما تم عزل البدراوي بسبب شبهات فساد فإنه قد تم تعيينه كمستشار في نفس الشركة بنفس الامتيازات

تعيين البدراوي مستشار في الشركة هي قضية فساد جديد، فمن الذي يحمي اللواء البدراوي؟ هل من المنطقي أن يظل الرجل في نفس الشركة التي تلاحقه فيها اتهامات فساد بحيث يسهل له هذا منع أي محاولات جادة للرقابة على انشطته السابقة أو جمع الأدلة على فساده.

مناصب كبار الضباط

وأجاب الاستقصائي من خلال وقائع شركة الصعيد عن "لماذا يحرص كبار الضباط في القوات المسلحة المصرية على مناصبهم؟"، فالبدراوي تقلد منصب رئيس الهيئة الهندسية للقوات المسلحة حتى عام 2010، وبموجب هذا المنصب كان يتقاضى بخلاف راتبه كرئيس للهيئة "بدل ولاء" يصرف من رئيس الجمهورية. بالإضافة إلى حصوله على نسبة من أرباح الهيئة التي يسند لها الكثير من المشاريع الخاصة وهي نسبة تتعدى الراتب الأصلي بالإضافة إلى بدل الولاء، فبمراجعة طبيعة أعمال واختصاصات الهيئة الهندسية وجدنا أن الشركات التابعة لها تصل إلى 150 شركة تعمل في المجالات التالية:

الإسكان والتعمير – الأمن الغذائي – تنمية سيناء – الطرق – الرعاية الصحية – الكباري والأنفاق – الموانئ البحرية – المنشآت التعليمية – إمدادات المياه – أعمال البنية الأساسية لاستصلاح الأراضي – المنشآت الرياضية والثقافية والترفيهية – تطوير المناطق العشوائية – إنشاء وتطوير دور العبادة والمنشآت الدينية – الخدمات العامة – مشروعات الصرف الصحي – تنمية منطقة قناة السويس.

وكشف أن الهيئة وشركاتها التي تكتسب صفة الاحتكارية في المجالات العاملة فيها، تحصل على المشاريع من مختلف القطاعات والوزارات بالإسناد المباشر دون مناقصات أو مزايدات تضمن حقوق الدولة والمواطن، مستغلين في ذلك قانون تنظيم التعاقدات العامة المعيب الذي ذكرناه سابقاً، بما يطلق يد الهيئة وشركاتها في الحصول على مشاريع بعيدا عن قواعد التنافس وتكافؤ الفرص بين شركات الإنشاءات وغيرها من الشركات.

العريش للأسمنت
وتقلد اللواء أحمد نعيم البدراوي منصب رئيس مجلس إدارة شركة العريش للأسمنت واستمر في هذا المنصب حتى يوليو 2014، و"العريش للأسمنت" إحدى الشركات التابعة لجهاز الخدمة الوطنية التابع للقوات المسلحة، وكما هو الحال في الشركات الاقتصادية التابعة للمؤسسة العسكرية، وأرباح الشركة لا تخضع لمراقبة المؤسسات الرقابية للدولة كما هو الحال في شركات القطاع العام وشركات القطاع الخاص، فشركات الجيش لا يمكن معرفة كيف تتم مراقبة أنشطتها بشكل دقيق.
ونقلت "نحن نسجل عن "المقاول محمد علي"  قوله إن اللواء كان يحصل على نسبة من شركات المقاولات مقابل إسناد بعض الأعمال لها، وأن دور ابنه محمود كان يتمثل في جزء منه في استلام المبالغ المالية من شركات المقاولات ولكن خارج مصر مع ممثل لتلك الشركات لإيداع تلك المبالغ في أحد بنوك سويسرا، وهي اتهامات تحتاج إلى تحقيق جاد من الجهات الرقابية في مصر بدلاً من تجاهلها كما حدث، حيث يبدو أن وقائع الفساد هذه لا تقتصر على الأب ولكن لها امتدادات عائلية.

الفساد العائلي

وللبدراوي أبناء منهم محمد "الابن الأكبر" وكان يعمل كضابط متنفذ في أمن المخابرات العامة المصرية، وقد تخرج من الكلية الفنية العسكرية ليلتحق بعدها بالعمل في المخابرات العامة المصرية، وقد ظهر في عملية تسليم الجندي الصهيوني جلعاد شاليط ضمن وفد المخابرات المصرية، في أكتوبر 2011.

أما "محمود" فلديه شركة مقاولات تعمل مع الهيئة الهندسية للقوات المسلحة في تنفيذ المشروعات المسندة للهيئة الهندسية، الشركة متعددة الأعمال والاختصاصات، وكان محمود شريك المقاول محمد علي قبل أن تنشب بينهما خلافات ترتب عليها إخراج على من مساحات العمل مع القوات المسلحة.
وتستفيد شركة محمود بشكل مباشر من مناصب وعلاقات الأخ محمد والأب بدراوي من أجل زيادة أرباحها والحصول على المزيد من الصفقات، في سلسلة من الفساد والشبهات المستمرة.

هل يستطيع حمادة

وهل يستطيع النائب العام المستشار حمادة الصادق، فتح تحقيق حول شبهات الفساد التي تلاحق اللواء من تهرب ضريبي ومن حصول على عمولات له ولابنه محمود؟ أم أن الرئيس الأسبق للهيئة الهندسية للقوات المسلحة هو أكبر من المحاسبة المجتمعية؟

وقالت إن رحلة صعود البدراوي لا يمكن أن يقوم بها أحد آخر إلا إذا كان من أفراد المؤسسة العسكرية، لا تتاح هذه الفرص للمدنيين خارج القوات المسلحة، فالتمييز الإيجابي الذي يحظى به العسكريون أسهم في صعود عدد كبير من قياداتهم إلى صفوف المليونيرات، في حين أن المدنيين وصغار الضباط ليس لديهم هذه الفرص لكن المشكلة لا تقتصر فقط على التمييز وعدم المساواة؟

وتساءل الاستقصائي عن متى تخضع مؤسسات الدولة بما فيها القوات المسلحة المصرية لسلطة القانون والرقابة؟ وهل يستطيع البرلمان المصري من مسائلة وزير الدفاع وتشكيل لجان تحقيق حول سوء توزيع موارد الدولة أو أي شبهة فساد مالي للمسئولين في القوات المسلحة المصرية أو غيرهم من العاملين في المؤسسات الأمنية والسيادية؟

Facebook Comments