يجهل الطغاة الجدد أن كتاب التاريخ الجديد والحقيقي صار يصاغ بمعرفة الجماهير وليس يفرض عليها أو يصب في وعيها، قسرًا، عن طريق نظام تعليمي رديء، ونظام إعلامي فاسد أو جهاز سامسونج يسكب النصوص في آذان المذيعين والمذيعات.

ولذلك، تحولت الحملة المسعورة التي تحاول افتراس سيرة شهيد الأمة، الرئيس محمد مرسي، إلى شهادات براءة وإشادة واعتراف بنقائه ومناقبه.

يمتلك العالم ضميرًا، ووعيًا فطريًا، يجعله يستقبل كل سخائم البذاءة والشماتة والافتراء والتجني، المنبعثة من إعلام عرفه جمهور الكون كله ساقطًا على مستوى المهنية والأخلاق معًا، بوصفها نفايات وملوثات ضارة، فيضعها حيث تستحق، أو يشعل فيها نيران السخرية، أو يدفنها في صحارى التجاهل.

هذا زمن مختلف، ووعي مغاير لما كان سائدًا في عصور الاستبداد القديم، عندما كان للصوت الواحد سطوة وهيمنة، ومن ثم فذائقة التلقي ومهارته اختلفت، ولم يعد الجمهور بحاجة إلى انتظار المذيع القوَّال أو المحلل القواد لكي يشكل له مواقفه ومعتقداته وآراءه في الأشخاص والأحداث.

في المقابل، يعرف الجمهور من يمارس الدجل والنصب عليه وعلى التاريخ، ويدرك بغير كثير من العناء الزائف من الأصيل، المتاجر من المهاجر بثورته ومبادئه، ويعلم جيدًا أن الصور واللقطات التذكارية لا تمنح شرعية، ولا تعطي مصداقية أو جدارة أو أهلية لأولئك الذي يتوهمون أن إغراق الفضاء بصورهم مع الرئيس الشهيد يجعلهم من ورثة شرعيته، أو قيمين على ما مات من أجله من مبادئ وقيم، كانوا حتى وقت قليل يسخرون منها ويعتبرون أن الزمن تجاوزها.

لقد كان في وجود الرئيس محمد مرسي في السجن سترًا لهؤلاء الممتلئين فراغًا وهزلًا ورغبًة في الاستثمار في جرح المصريين ووجعهم، إذ كانوا يسترون عجزهم وتخبطهم وانتهازيتهم، ويختبئون من خياناتهم للثورة وللناس، خلف جدار صلب يضعون عليه شعارات من قبيل "إما شرعية.. أو ثورة" أو أن التشبث بشرعية الرئيس الأسير تعني بقاء العمل الثوري معتقلًا ومسجونًا، ولا حل سوى تحرير الشرعية من الرئيس الشرعي.

حسنًا، الآن انتقل الرئيس الشرعي إلى رحاب ربه، وترك لكم كل شيء، الثورة والشرعية والجمهور والنضال، فأقام الحجة عليكم، ولم يعد هناك مجال لمزيد من الثرثرة النظرية في مفاهيم الشرعية والثورة.

لقد دخلتم سن التكليف، وكما كنتم تفتشون عن أخطاء الرئيس وتنبشون الذاكرة وتنهشون الذكريات والمواقف، وتحاسبونه حسابًا عسيرًا قبل أن يضع رحاله في قصر الحكم بعد انتخابه، وتحصون عليه كلماته وهمساته وتحركاته، ممسكين بسياط العقاب على المائة يوم الأولى من حكمه، تغيرت الأمور، وصرتم أنتم في موضع المسؤولية أمام الجماهير وأمام التاريخ يا زعماء الكلام.

وبما أنكم الآن تتسابقون على "قميص مرسي" من دون خجل أو رهبة من حكم الذاكرة المدونة، فلن يناقشكم أحد في مدى جدارتكم بوراثة الشهيد والشرعية، لكن من الناحية الأخرى، من حق الجماهير التي أرهقمتوها بأحاديث تحرير الشرعية، وفصلها عن الرئيس الشرعي السجين، أن تبدأ من الآن إحصاء المائة يوم الأولى، من ارتدائكم قمصان الشرعية والثورة، وأن تنتظر منكم إنجازاتكم في مواجهة الانقلاب، بعد خمس سنوات من الثرثرة والأداء المسرحي متكئين على حجة فارغة تزعم أن الشرعية تعيق الثورة.

Facebook Comments