بعدما هاجمه المراقبون والسودانيون بمسئوليته عن الانتهاكات وحدوث عمليات اغتصاب ترافقت مع فض الاعتصام أمام القيادة العامة للقوات المسلحة، أقر المتحدث العسكري بلسان المجلس، شمس الدين كباشي، بأن المجلس العسكري هو من اتّخذ قرار فضّ الاعتصام ووضع الخطة لذلك، ولكن بعض الأخطاء والانحرافات حدثت.

واعتبر مراقبون أنها المرة الأولى التي يعترف فيها المجلس بذلك، واعتبر المتحدث باسم المجلس الانتقالي أن مكان الاعتصام كان بؤرة لاستفزاز القوات، قائلا: “تحملنا الكثير من الإساءات”.

وقال الفريق كباشي: “في الليلة السابقة للتنفيذ دعونا لاجتماع موسع ضم كل الوحدات والأجهزة العسكرية والأمنية.. وكذلك رئيس القضاء والنائب العام لأخذ المشورة القانونية.. فقدموا لنا الاستشارات اللازمة.. ومن ثم وجهنا القيادات العسكرية بتنفيذ فض الاعتصام.. وحدث ما حدث”.

وتشابه حضور النائب العام- الذي أوكل النيابة حاليًا للتحقيق في فض الاعتصام أعلن عنه العسكر أمس الأول في مذبحة قُتل فيها الأبرياء واغتُصبت فيها النساء- مع موقف النائب العام السعودي الذي طالب بإعدام الدعاة المعتقلين، ثم ذهب للتحقيق في اغتيال خاشقجي!.

غير أن شريك النائب العام هو رئيس القضاء الذي وافق على فض الاعتصام، وهو من سيقوم بالتحقيق في مجزرة فض الاعتصام، تمامًا كرئيس القضاء الذي شارك السيسي منصة الانقلاب  في 3 يوليو.

جريمة مكتملة الأركان

ويبدو أن العصيان المدني الذي نجح السودانيون في تنفيذه لثلاثة أيام متوالية، قد لفَّ الحبل حول رقبة نائب رئيس المجلس العسكري، محمد حمدان حميدتي، إلى جانب رئيس المجلس عبد الفتاح البرهان، فقررا الهروب بتوزيع الجريمة التي باتت مكتملة الأركان، وبحسب القانونيين “الاعتراف سيد الأدلة”.

وبات مطلبًا ثوريًّا محاكمة البرهان وحميدتي وكباشي، وحل الدعم السريع الذي يرأسه حميدتي ويشكل فرق العمليات القذرة، بل ومحاكمة كل من كان له يد في أحداث فض الاعتصام.

ويبدو أن كباشي والمجلس الدموي نفذوا شرط قوى الحرية والتغيير، باعتراف كباشي والعطا بالتخطيط لفض الاعتصام وتحمل كامل المسئولية.

واعتبر متابعون أن اعتراف المجلس العسكري بإصدار قرار فض الاعتصام يعتبر نقطة إيجابية لصالح قوى الحرية والتغيير، فما عليهم إلا العمل على تحضير البراهين والإثباتات للإدانة التامة في حال التضحية بأحد القادة غير الموالين للنظام، برمي عبء هذا الخطأ عليه، وهذا ما ستئول إليه مقاليد الأمور.

فعاليات متواصلة

ويتوقع أن يكون اليوم الجمعة بعد الصلاة، فرصة لإثبات الحضور الثوري في الشارع، من خلال عودة المواكب والمسيرات الشعبية في الأحياء والمناطق، فقد أعلنت قوى الحرية والتغيير في السودان عن نفيها أن يكون تعليقها للعصيان مرتبطًا بجهود الوساطة مع تفاعل ثوري وشعبي كثيف على هاشتاج #نناضل_لا_نساوم.

وكشف تجمع المهنيين السودانيين عن أن المواكب بدأت منذ مساء أمس الخميس في بورتسودان على البحر الأحمر، بمظاهرات ليلية لإسقاط المجلس العسكري الانقلابي، وأخرى بالشعبية، وثالثة بحي شمبات بالخرطوم.

وعن فعاليات جاليات الخارج، أعلنت القوى عن انطلاق وقفة احتجاجية في الساعة العاشرة اليوم، للتنديد بالدعم السعودي الإماراتي المصري، والتدخل في الشئون السودانية أمام القنصلية العامة بنيويورك.

الكوماندا الأمريكي

تدخل الولايات المتحدة في الملف السوداني بعد العصيان المدني وفض الاعتصام، حيث ساقت صحيفة “كريستيان ساينس مونيتور” بعض أسبابه، فكتب “تايلور لاك” مقالا “تحت عنوان “كيف قوض الرعب في السودان ثقة الولايات المتحدة في أهم حلفائها العرب؟”، الأربعاء 12 يونيو 2019، أكد فيه أن “القمع الوحشي للمتظاهرين المؤيدين للديمقراطية على أيدي الجيش السوداني يفضح الشقوق في التحالف بين الولايات المتحدة والخليج العربي، والذي تعهدت بموجبه السعودية والإمارات بحماية المصالح الأمريكية في المنطقة”.

وقال: “بينما تشعر الولايات المتحدة بالقلق إزاء الصعود المحتمل للتطرف ومعاداة الولايات المتحدة، يركز حلفاء الإرهاب- حسب تعبيره- على الدوافع الديمقراطية في السودان التي تهدد استقراره الداخلي. ومع إرسال الولايات المتحدة لكبير دبلوماسييها في إفريقيا إلى الخرطوم، يبدو أن أيام الملوك العرب الخليجيين الذين يقودون السياسة الأمريكية في المنطقة قد تكون معدودة”.

وأشار إلى أنه بعد أن تخلصت السعودية والإمارات من قواعد اللعبة التي استخدماها في مصر وليبيا بعد الثورة، بتعزيز طاغية قوي يعتمد على ديكتاتورية عسكرية، ويقمع جميع دعوات الديمقراطية والمعارضة، حاولوا تكرار التجربة ذاتها في السودان ولكن بطريقة خاطئة، فعلى عكس الوحشية التي أطلق بها السيسي النار على أنصار جماعة الإخوان المسلمين في شوارع القاهرة عام 2013، كان القمع الذي شنه المجلس العسكري في الخرطوم شريرًا، مذكرا بالفظائع التي ارتكبتها مليشيات الجنجويد في دارفور، حيث تم انتشال عشرات الجثث المتضخمة من قاع النيل، وتم الإبلاغ عن اغتصاب جماعي، وانتشرت مشاهد ضرب المليشيات وهم يضحكون، للرجال والنساء المسنين، وتأكد وفاة أكثر من 120 شخصا، وتم فرض تعتيم على الإنترنت، ما يعني أن ممالك الخليج أطلقت يد عسكر السودان لأعمال إبادة جماعية واتباع سياسة الأرض المحروقة.

بصمات الإمارات

وقال عريب الرنتاوي، مدير مركز القدس للدراسات السياسية ومقره عمان: “بدأ السودانيون والإفريقيون والعرب والمجتمع الدولي في إدراك تأثير التدخل الخليجي في السودان.. هذه المجازر والقمع الوحشي لها بصمات سعودية وإماراتية في كل مكان، والإدارة الأمريكية متورطة في دعمها من خلال توفير الأسلحة والدعم السياسي”.

وهاتف وكيل وزارة الخارجية للشئون السياسية، ديفيد هيل، المسئولين السعوديين والإماراتيين، فمع نائب وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان حدثه “حول القمع الوحشي ضد المتظاهرين المسالمين من قبل المجلس العسكري الانتقالي السوداني في 3 يونيو”، مشيرا إلى “أهمية الانتقال من المجلس العسكري الانتقالي إلى حكومة بقيادة مدنية وفقًا لإرادة الشعب السوداني”.

وأشار بيان ثان إلى أن هيل اتصل بوزير الدولة للشئون الخارجية في الإمارات، أنور قرقاش، “لمناقشة الوضع في السودان والجهود المبذولة لدعم الحل السياسي”. ووفقًا للدبلوماسيين الأمريكيين المخضرمين، أرسلت تلك البيانات رسالة إلى كل من العواصم العربية والمجلس العسكري في السودان، مفادها أن “الولايات المتحدة لا تقبل الحجج السعودية والإماراتية” للحكم العسكري في الخرطوم”.

Facebook Comments