تدخل حركة المحافظين الأخيرة وما يتردد عن تعديل وزاري واسع، ضمن محاولات قائد الانقلاب تحصين نفسه بالمزيد من الجنرالات، وفي الوقت نفسه تحميل وزرائه الذين ينفّذون تعليماته وليس لديهم القدرة على التصرف بحرية، مسئولية فشل سياساته، وإظهار أنه تخلّص من الفاشلين بينما هو الفاشل، والسياسة نفسها لم تتغير.

ففيما يخصّ سعي السيسي نحو مزيد من عسكرة الدولة والمحافظات، عيّن 16 محافظًا جديدًا من أصل 27 محافظًا لمصر، منهم 11 لواء كمحافظين جدد، بينهم 9 من الجيش و2 من الشرطة، وباقي المحافظين تابعون وموالون للمخابرات والرقابة الإدارية.

والملفت أنه عيّن نماذج قمعية بعينها في بعض المحافظات كنوع من تشديد السلطة، مثل تعيين قائد الأمن المركزي في سوهاج الذي قمع وقتل المتظاهرين في أوقات سابقة، محافظًا للمدينة، وعيّن مسئول أمن الدولة في الإسكندرية المسئول عن تعذيب وقتل المصريين في المدينة، ليزيد من عسكرة المحافظات.

وفي إجراء شكلي ولكنّه يزيد من سيطرة العسكر على المحافظات، عيّن السيسي 23 نائبًا للمحافظين، غالبيتهم من “شباب البرنامج الرئاسي” لتأهيل الشباب للقيادة، الذين تم تدريبهم علي أيدي أجهزة المخابرات على غرار شباب عبد الناصر وغيرهم (18 نائب محافظٍ). أو من “شباب تنسيقية الأحزاب” الموالين للسلطة الذين تُشرف عليهم المخابرات (5 نواب)، منهم نجل ناجي الشهابي، رئيس حزب الجيل، الذي انشق عن حزب العمل وأصبح مطية للعسكر.

استنساخ تجربة عبد الناصر

من الواضح أنَّ السيسي يستنسخ تجربة نظام عبد الناصر في استغلال اسم الشباب؛ ليبدو كأنه يهتم بالشباب الذين كانوا عماد ثورة يناير، وتحذر تقاريره الأمنية من أنهم سيكونون أيضا وقود الثورة القادمة؛ بسبب البطالة والغلاء وعدم القدرة على العيش وتكوين أسرةٍ.

فقد سعى السيسي إلى وضع برنامج أمنى أطلق عليه “شباب البرنامج الرئاسي”؛ ليمكّن الأجهزة عبر هؤلاء الشباب التابعين لها من مفاصل الدولة، ويضع العسكر والشرطة على رأس المحافظات لمزيد من إحكام القبضة الأمنية.

فشباب البرنامج الرئاسي يتم إعدادهم في معهد إعداد القادة، ويتلقون محاضرات في جهاز المخابرات، وجزء كبير منهم من أبناء الضباط أيضا أو المسئولين الموثوق في ولائهم.

وهؤلاء الشباب يحملون «تعليمات» لا «خبرات»، مطعّمة بنشوة السلطة، والغرض منهم هو تشكيل دولة السيسي المصغرة.

وبدأ هذا البرنامج في 9 يناير 2016، بإعلان السيسي عنه خلال احتفالية يوم الشباب بدار الأوبرا.

ومنذ بدء البرنامج الرئاسي تم تخريج نحو 1400 شاب وشابة، تم انتقاء بعضهم وتعيين 41 منهم معاون وزيرٍ في 13 وزارة مختلفة، و6 شباب كنواب للمحافظين، ومعاونين اثنين لمديري مديريات الشباب والرياضة ب‍ـ17 محافظة، وغيرهم في عدد من الهيئات الحكومية.

وقد جرى إسقاط تجربة شباب برنامج التأهيل الرئاسي على جميع الجهات الحكومية التي استقبلت الشباب المعينين كنوابٍ أو معاونين أو مساعدين للمديرين، على غرار تجربة تعيين لواءات مخابرات في كل وزارة عقب الانقلاب.

ويستعين السيسي في هذا بتجربة عبد الناصر الفاشلة للسيطرة على الشباب، ففي 21 يوليو 1966 ولدت “منظمة الشباب الاشتراكي” من رحم جامعة القاهرة، وتم الإعلان عنها كتنظيم سياسي مستقل، وبدأت بعضوية 30 ألف شاب من جميع محافظات الجمهورية.

وحاول عبد الناصر، من خلال المنظمة، تشكيل قواعد شبابية سياسية تضم جميع التيارات والاتجاهات السياسية المؤيدة له، وهو ما يحاول السيسي فعله بما يسمي “شباب تنسيقية الأحزاب”.

وكانت أهم أهداف منظمة عبد الناصر المعلنة، “تنظيم جهود الشباب لتحقيق أهداف خطة التنمية، وتقديم نموذج جديد لدورهم في المجتمع وإعداد قيادات جديدة، وقاد المنظمة شخصيات موضع ثقة النظام، مثل اللواء أنور بهاء الدين، أحد الضباط الأحرار، والعقيد كمال الحديدي، مدير التدريب بكلية الشرطة، فضلا عن الدكتور حسين كامل بهاء الدين، وزير التعليم لاحقا، ومثل الماركسيين الدكتور محمد الخفيف، والدكتور إبراهيم سعد الدين، والدكتور عبد الرازق حسن، ومثل الليبراليين الدكتور أحمد صادق القشيري، بينما مثل التيار الإسلامي الدكتور أحمد كمال أبو المجد، ومثل التيار القومي الناصري الدكتور يحيى الجمل.

وقد تصدَّر من تربوا في هذه المنظمة المشهد السياسي فيما بعد، وتولوا مناصب وزارية وقيادية في الدولة، وبعضهم تولى مناصب رؤساء أحزاب معارضة، وقادة حركات شعبية، لكن كان لنظام المعسكرات الذي أنتجته المنظمة أثر كبير في سقوطها، ورفض المجتمع لها في بداية انطلاقها، فقد تركت انطباعا بأنها تسعى إلى غسيل مخ الشباب، وأنه تم إعدادهم لكتابة تقارير سرية، حتى قيل إن الابن يكتب فيها تقارير عن أسرته.

وسبق للسيسي أن سعى إلى تشكيل كيان طلابي داخل أسوار الجامعة يحمل اسم “طلاب تحيا مصر”، للسيطرة على اتحادات الطلاب وإزاحة طلاب التيار الإسلامي الذين أدخلهم المعتقلات أو قتلهم في مواجهات مع الأمن.

وبدأ عدد من المنسقين التابعين له في الجامعات الخاصة والحكومية، ممارسة نشاطات طلابية وتنظيم زيارات خارجية، وسافروا إلى دولة روسيا الاتحادية، عقب حادث الطائرة الروسية، وتعليق السياحة إلى مصر.

ووسط تساؤلات حول تمويل هذا الكيان، ومن يوفر له الدعم المالي فضلا عن انتشاره في 21 جامعة حكومية، و4 جامعات خاصة، و7 معاهد، والتسجيل كأسرة طلابية في بعض الجامعات، من بينها الفيوم، لم ينجح الكيان في تكوين قاعدة جماهيرية من الطلاب، رغم الحرية الأمنية الممنوحة له في ممارسة أنشطته داخل الجامعة، مقابل التضييق على باقي الحركات والأسر.

وأسهم الدعم المفتوح والحرية الممنوحة لهذا الكيان الطلاب الحكومي وتشكله تحت سمع وبصر أجهزة الدولة، وبمباركاتها ودعمها المالي أيضا، لظهوره على الساحة كتنظيم موالي للسيسي، ولكنه فشل في تحقيق أي شيء لأنه لا توجد انتخابات طلابية ولا منافسة حقيقية ولم ينجح هذا الكيان في جذب الطلاب إليه، فانحسر واختفى تقريبًا ليتم التركيز على تجربة “شباب البرنامج الرئاسي” كتجربة جديدة لتشكيل جذور لدولة السيسي المصغرة الديكتاتورية؛ أملا في تجذرها وسيطرتها على كل مصر كما فعل عبد الناصر عبر سياسيات ديكتاتورية وهيمنة إعلامية، وهو ما سيفشل فيه لاختلال الأزمة والعصور ووعي الشعب المصري وظهور أسلحة جديدة للمواطن الصحفي عبر مواقع التواصل أقوى في معارضتها لمشروع وشباب السيسي.

Facebook Comments