يُعد الأكراد من أكبر الأقليات في المنطقة العربية، وتاريخهم متجذّر في شريان العديد من الدول العربية لا أحد ينكره، ودخل كثير منهم الإسلام ودافعوا عنه بكل غالٍ ونفيس، ومن لم يدخلوا الإسلام أصبحوا جزءًا من القومية العربية التي يعيشون على أراضيها، والتي تشكّل أغلبية في هذه المنطقة، غير أن بعض الأكراد لم يرض عن هذا التوصيف الجديد تحت ظل الدولة الإسلامية، فعملوا على إثارة القلاقل من أجل الانفصال وتكوين دولة كردية خالصة يكون فيها الأكراد العرب أو المسلمون أقلية، أو لا وجود لهم في دولتهم إن استطاعوا، حيث زادت هذه الرغبة في منتصف القرن العشرين بعد سقوط الخلافة العثمانية، وضعف وصراع الأنظمة العربية.

والحقيقة أن الشعب الكردي يرغب في العيش بسلام وسط التجمعات التي ارتبط بها تاريخيًّا، ولذا تراه يُنكر على الجماعات الكردية المسلحة القلاقل التي يقومون بها من أجل الانفصال، خاصة بعدما تيقنوا من معاونة الصهاينة لحركات الانفصال، بما ألقى بظلال من الشبهات على علاقة هذه الحركات الانفصالية بالصهاينة.

لقد فاجأنا رئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو بالتنديد بالحملة العسكرية التركية على منظمة (PKK) الانفصالية الكردية، والتي استغلت ثورات الربيع العربي وأحداث سوريا من أجل تحقيق حلم الانفصال عن العراق وسوريا وتركيا، لتكون امتدادا للدولة الصهيونية، وهذا ما جعل الكيان الصهيوني يندد بالحملة العسكرية التي تكاد تقضى على حلمه في إيجاد دولة انفصالية في الوطن العربي تزيد من معاناة العرب، وإحكام سيطرة الصهاينة على الوطن العربي بمعاونة الأنظمة الحاكمة الحالية.

لقد كان السر في الغضبة الصهيونية متمثلة في النفط الكردي، والذي يمثل 75% من استخدام الدولة الصهيونية، بالإضافة إلى أن إقليم كردستان أصبح مرتعًا كبيرًا للموساد الصهيوني للعمل على تفتيت وإضعاف الدول العربية والإسلامية، وهو ما يوضح لنا دفع وإجبار الصهاينة للأنظمة العربية على أن تشاركه التنديد ضد الحملة التركية.

لقد لخَّص الأستاذ عدنان سعد الدين السوري هذه القضية، حينما كتب يقول: تشير الأحداث إلى أن التعاون الكردي مع الإسرائيليين بدأ منذ وقت مبكر في منتصف الخمسينيات، إذ وصلت أول مجموعة من الأكراد إلى قاعدة إسرائيلية قرب الرملة للتدريب على العمليات التخريبية، ثم قام رافائيل إيتان- الذي صار فيما بعد رئيسًا لأركان الجيش الإسرائيلي- وهو من أكبر ضباط الصهاينة، بزيارة إلى كردستان العراق خلسة، ولم تمض سنوات حتى أصبحت إسرائيل في منتصف الستينيات من الدعامات الرئيسية للأكراد، وصار الزعيم الكردي مصطفى البرزاني مقتنعًا أن الولايات المتحدة تسانده وتقف إلى جانبه في تطلعاته القومية، فأرسل هدية من السجاد إلى كيسنجر، أعقبها بإرساله قلادة من الذهب واللؤلؤ بمناسبة زفافه عام 1974م.

إن ما أشار إليه باتريك سيل حول تعاون الأكراد مع إسرائيل ليس إلا نزرًا يسيرًا مما أشار إليه عدد من الكتاب العرب والغربيين والإسرائيليين في عدد من مؤلفاتهم مثل: الاختراق الصهيوني للعراق، وتدمير التراث الحضاري العراق، وكلاهما لخالد الناشف، والتغلغل الإسرائيلي في العراق المحتل للسيد مأمون كيوان، والكرد والمسألة الكردية لشاكر خصياك، وأمة في شقاق لجوناثان واندل ترجمة فادي حمود، وعشرات الكتب لمؤلفين آخرين.

لقد ذهب بعض الأكراد بعيدًا في العداء للعرب، فكان عداؤهم للإسلام والمسلمين (على عكس جمهور الأكراد وكبار قادتهم في القديم والحديث)، فقد جاء في ندوة- الكرد والعراق الجديد- المنعقدة في 16- 4- 2005، عن ملا بختيار، عضو المكتب السياسي للاتحاد الوطني الكردستاني، قوله: صلاح الدين الأيوبي خدم الدين الإسلامي، ولم يخدم القومية الكردية، لذا فهو بالنسبة لنا لا يشكل قيمة معنوية، وقال آخر في ندوة ثقافية: إن الفتح الإسلامي لكردستان هو الإرهاب، ثم طالب بعدم حب الصحابة، وبمنع الحج لأنه يخدم دولة عربية .

لعل أول من كشف حقيقة العلاقات الكردية الصهيونية عام 1968 هو جان لارتكي، في بحث بعنوان: إسرائيل الأخرى، قال: لم تقتصر المساعدات الإسرائيلية للبرزاني وأعوانه على الأسلحة والمعدات، بل شملت خبراء عسكريين ومدربين، وأن عددًا من الضباط المظليين من جيش الدفاع الإسرائيلي عملوا مع البرزاني، وأنهم أسسوا له شبكة مواصلاته، ودربوا مقاتليه على أعمال التفجير والتخريب، وأن البرزاني قام بتأسيس جهاز خاص للمخابرات يدعى- البارستن- برئاسة نجله مسعود البرازاني، بهدف تعزيز العلاقات مع الموساد والمخابرات المركزية ومخابرات الشاه -السافاك- بمعونة وإشراف ضباط في الموساد استمروا في إدارته وتنظيم نشاطه حتى انهيار البرزاني عام 1975.

لكن هذا التعاون الإسرائيلي الكردي استمر إلى ما بعد الاحتلال الأمريكي لبغداد، الأمر الذي فتح الباب واسعًا لزيارات مسئولين عراقيين إلى إسرائيل بصورة علنية، كما حدث مع الألوسي، أو سرية كما حال الكثيرين من أمثال أحمد الجلبي وجلال الطالباني وغيرهما .

ولم يكن أكراد العراق وحدهم على علاقة وثيقة بالإسرائيليين، بل إن بعض أكراد سوريا قاموا بالشيء نفسه. لقد أسس الموساد علاقة قوية مع رئيس هيئة الأركان العامة في سوريا الكردي الأصلحسني الزعيم.

كتب إسحاق بن حورين بتاريخ 11- 9- 1987 مقالاً مطولاً في ملحق صحيفة معاريف الإسرائيلية، تحدث فيه عن العلاقة القوية التي كانت تربط الملا مصطفى البرازاني بالإسرائيليين منذ وصوله إلى مطار اللد عام 1968 بطائرة العال الإسرائيلية عن طريق طهران، وحتى وفاته بمرض السرطان عام 1979م.

يقول شلومو نكديمون، صاحب كتاب “الموساد في العراق ودول الجوار”: قامت إسرائيل بإنشاء مستشفى ميدانية بمنطقة حاج عمران، تضم أربعين سريرًا لمعالجة المرضى والجرحى بطلب من أشكول في نهاية 1966 كهدية للبرازاني مع طاقم الأطباء الإسرائيليين بناء على طلب من البرازاني.

وفي 5 حزيران، احتفل البرازاني بانتصار الصهاينة على العرب، وذبح كبشًا ضخمًا بهذه المناسبة علق في رقبته شريطًا أزرق وأبيض دلالة على العلم الإسرائيلي، وكتب على الشريط: هنئوا إسرائيل بانتصارها، وسوف نذبح هذه الليلة خروفًا قربانًا لاحتلالكم القدس، وقد عمت الفرحة في كردستان بانتصار إسرائيل على العرب .

ووفق هذه المعلومات يتضح لنا لماذا انتفض الكيان الصهيوني منددا بالحملة العسكرية التركية ضد الحركات الكردية الانفصالية، التي تسعى إلى تقسيم البلاد.

كما يتضح لنا لماذا انتفضت الأنظمة العربية ضد الحملة، حيث توضح الحقائق أن هذه الأنظمة تحركت بناء على أوامر من السادة في الكيان الصهيوني إليهم بالتنديد بهذه الحملة، ويؤكد ذلك أن سوريا العربية تُدك كل يوم بأسلحة الجنود الأمريكان والروس وإيران منذ عام 2011م، والتزمت هذه الأنظمة العربية الصمت، كما شجع الكيان الصهيوني هذا الغزو الروسي والأمريكي، حيث يدعو قادتها إلى تفتيت المنطقة لصالحة، لكنه انزعج للحملة التركية التي تقوض فرص الانفصال وتقضى على بعض أحلامه في إيجاد دولة انفصالية متعاونة معه تعاونا كاملا، وسط دول تسعى للاستقرار مثل تركيا والعراق وسوريا.

Facebook Comments