لم يتوقف إعلام الانقلاب أمام قرار السعودية والإمارات والبحرين، بالتراجع عن مقاطعة كأس الخليج “خليجي 24″، المقرر إقامتها في قطر نهاية الشهر الجاري، وإلغاء حظر السفر إلى الدوحة، على خلفية أنه يحمل في طياته إرهاصات لرأب الصدع بين رباعي مجلس التعاون، وإنهاء حصار جائر اقترب من دخول عامه الثالث، منذ نكسة 5 يونيو 2017.

ماكينة أكاذيب العسكر وقفت عاجزة عن مجاراة الأنباء التي تدفقت من الخليج، حول تقارب يلوح في الأفق المنظور بين ثالوث الحصار من جانب، والدوحة الصامدة على الطرف الآخر، خاصة أن التعليمات لم تكن صدرت للنظام الفاشي بآلية التعامل مع تطورات المرحلة، وهو ما دفع محمد بن زايد لاستدعاء السيسي على وجه السرعة إلى الإمارات في زيارة مفاجئة، وأعطاه التكليفات الجديدة، وفقًا لمجريات الأمور.

استدعاء بن زايد لتابعه في مصر، الأربعاء الماضي، أجبر السيسي على إلغاء فعاليتين كان من المقرر عقدهما نهاية الأسبوع من أجل الطيران إلى الإمارات، وفي غضون ذلك صدرت تعليمات واضحة لوسائل الإعلام الموالية للعسكر، بعد التعرض لدولة قطر وأميرها تميم بن حمد، بأي سوء أو تطاول ولو بالتلميح.

ذات التعليمات خرجت – بحسب صحيفة “إيلاف” – من دول الحصار، بعدم التعرض بأي إساءة إلى دولة قطر، مع التوجيه بإرساء توجه عام على إعلامها بتجنب الحديث عن الدوحة في البرامج السياسية والرياضية، واصفة المشهد بـ”الغيمة الرابعة” التي تشكلت في سماء دول الخليج والمنطقة العربية خلال الساعات الماضية.

مصفاة قطر

انبطاح السيسي أمام الدوحة لم يكن وليد اللحظة، بل إن المتتبع للمشهد يرصد تحركات مبكرة في هذا المضمار، ربما واكبت زيارة قائد الانقلاب إلى الولايات المتحدة، الشهر المنصرم، فرارًا من الانتفاضة التي شهدتها القاهرة سبتمبر الماضي، والتي تلقى خلالها تعليمات واضحة بالتمهيد لفتح صفحة جديدة مع قطر، رغم تأكيده في أكثر من مناسبة أنه لا مصالحة قبل تنفيذ المطالب الـ14 الفاشية من جانب دول الحصار.

التحول المصري ظهر جليًّا مطلع الشهر الجاري، بعد الإعلان كما عن نجاح “قطر للبترول” في تشغيل مشروع مصفاة لتكرير النفط، والذي يعد أكبر استثمار لهذه الشركة السيادية في بلد عربي، في تغير صادم لم يجد إعلام العسكر ما يبرره للشارع المتوتر، فالتزم الصمت المطبق، وقرر التعتيم على المشروع الذي وُقع في عهد الرئيس الشهيد محمد مرسي.

رعاة الإرهاب

الحديث المتواتر عن المصالحة، وتعبيد الأرض لإتمامها على نحو يحفظ ماء وجه العواصم الأربع، اعتبره موقع “ميدل إيست آي” – في مقال للكاتب أندرياس كريج- بأنه ينسف اتهامات رباعي الحصار للدوحة بأنها الراعي الرئيسي للإرهاب في العالم، وهو الاتهام الذي انفقت أبوظبي الكثير من الأموال من أجل الترويج له عالميًّا.

وشدَّد المقال البريطاني على أن الرياض وأبوظبي أدركتا أن الاعتماد على الروايات المضللة فشل في تحقيق أي نتائج مرجوّة، بل على العكس أصبحت قطر اقتصاديًّا أكثر مرونةً في الخليج، وأكبر استقلالية، وانسلخت من التبعية لدول الجوار.

تراجع ترامب

الاتجاه نحو المصالحة الخليجية خطوة ضرورية لثالوث الحصار الخليجي، وواقع فرضته المتغيرات المتسارعة في المنطقة، والتي بدأت بتراجع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن قيادة الحرب السعودية ضد إيران بالوكالة، وتفاقم خسائر تحالف الرياض في حرب اليمن، والتي انسحبت منها الإمارات وتركت المملكة تواجه مصيرها، فضلاً عن انسحاب الاستثمارات على خلفية جريمة اغتيال الصحفي المعارض جمال خاشقجي في إسطنبول.

المشهد المتوتر دفع عجلة الدبلوماسية تتحرك بين الرياض وطهران، في ظل رد الفعل الباهت من جانب واشنطن على الهجمات التي تعرضت لها شركة “أرامكو” السعودية، وهو التقارب الذي عاقبت عليه ذات الدول الدوحة بتهمة التعاون مع إيران.

وفي المقابل، وجدت واشنطن نفسها في مأزق أمام ملفات المنطقة الشائكة، وتعاظم النفوذ الروسي، والانكسار أمام العمليات العسكرية التركية؛ الأمر الذي دفع إدارة ترامب إلى ضرورة الحفاظ على الحليف الخليجي الثري، والعسكر المصري، فجاء توجيه رئيس أركان القوات الجوية الأمريكية، ديفيد غولدفين، لدول الخليج، بحل الخلاف بشكل عاجل وتوحيد قدراتها العسكرية.

ودفع غولدفين، أمام مؤتمر لقادة القوات الجوية في دبي، نحو مصالحة فورية لا تقبل التأجيل تحت ذريعة تهديد طهران، قائلاً: “عندما ينطلق صاروخ أو طائرة مسيّرة من إيران، فلن يكون هذا هو الوقت المناسب لتسوية شكاوى الماضي، الوقت المناسب هو الآن”.

الوساطة الكويتية

ولأن الخروج من عنق الزجاجة لم يكن ليمر إلا عبر وساطة تحفظ ماء الوجه السعودي الإماراتي، منحت الرياض الضوء الأخضر للوساطة الكويتية لحل الأزمة، ثم أخذت تتحرك بشكل أكثر فاعلية عبر زيارة خالد بن سلمان، نائب وزير الدفاع السعودي إلى مسقط، لتسليم رسالة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، سبقتها زيارة السياسي الكويتي عبدالله بشارة، الأمين العام السابق لمجلس التعاون الخليجي لسلطنة عمان، ضمن الجهود الكويتية لتنقية الأجواء بين الدول الخليجية.

وكشفت مصادر صحفية عن أن الأيام القليلة الماضية شهدت زيارات سعودية قطرية رفيعة المستوى، سيطرت عليها حالة من التكتم الشديد، من أجل التمهيد لعودة علاقات محتمل ديسمبر المقبل، عبر قمة خليجية، كما أشارت إلى أن وفدًا قطريًا شبه رسمي سيزور الرياض خلال الأيام المقبلة، ضمن خطوات حلحلة الأزمة لكرة القدم.

الجامعة العربية

وعلى الرغم من حالة السلبية والصمت التي سيطرت على الجامعة العربية منذ اندلاع الأزمة، إلا أنها بدأت التحرك بعد منح رباعي الحصار “المسيطر” الضوء الأخضر؛ حيث ذكرت “فرانس برس” أن مسئولاً من الجامعة سيزور الدوحة على هامش كأس الخليج، للمشاركة في إنجاح جهود حل الأزمة.

بدورها، ذكرت وكالة “بلومبرج”، أن الوساطة بكل أطرافها تركز حاليًا على إصلاح العلاقات بين قطر والسعودية، على أن تنضم دولة الإمارات لها لاحقًا، مشيرة إلى أن الرياض أخبرت واشنطن – عبر مبعوث من الملك سلمان بن عبدالعزيز، الأسبوع الماضي – أن الدوحة بدأت في اتخاذ خطوات لإصلاح العلاقات مع جيرانها.

وكانت قناة “الحرة” الأمريكية، نقلت عن مصدر مسئول بالعاصمة واشنطن، أن المصالحة الخليجية – الخليجية بلغت مرحلة متقدمة، وسط جهود تقودها الولايات المتحدة لإنهاء الأزمة، مشيرة إلى أن ترامب، كلف سفيره جون أبي زيد، ودبلوماسي الخارجية، لتنسيق الأمور بعيدًا عن الأضواء، وفي شكل سري لتحقيق المصالحة، بينما يبدو السيسي مغلوبًا على أمره في انتظار قادم التعليمات.

Facebook Comments