في مقدمة كتابه العظيم “الاغتيال الاقتصادي للأمم”، يشرح الكاتب الأمريكي “جون برينكز” دور قراصنة الاقتصاد، والذي يلخصه بقولهم “مهمتنا سلب ملايين الدولارات من دول عديدة، وتحويل المال من البنك الدولي وهيئة المعونة الأمريكية وغيرها ليوضع في خزائن الشركات الكبرى”، وهذا جزء من وظيفة المعونة الأمريكية.

ورغم أن الحديث عن المعونة الأمريكية هو الموضوع المثار بشأنه الجدل، إلا أنه في الحقيقة يتسع ليشمل كافة المعونات أو المنح الدولية، سواء أكانت مقدمة من دول أو من هيئات ومؤسسات دولية؛ ذلك لأنه لا يوجد في عالم السياسة أو الاقتصاد من يقدم معونات أو منح بدون مقابل، فالعلاقات بين دول العالم قائمة على أساس تحقيق المصالح.

ونشرت صحيفة “واشنطن بوست” مقالا للصحفية مريم بيرجر، تقول فيه إن الولايات المتحدة تستخدم المساعدات للضغط على الدول الأجنبية، مضيفة أنه “ربما سمعت بالتحقيق بهدف توجيه تهمة للرئيس ترامب بخصوص المساعدات العسكرية لأوكرانيا، بشرط أن توافق على التحقيق مع نائب الرئيس السابق جو بايدين وابنه هانتر بايدين”.

فساد في أوكرانيا

وطالب أعضاء ديمقراطيون بارزون في مجلس الشيوخ الأمريكي، أمس الثلاثاء، وزير الدفاع الأمريكي مارك إسبر، بتقديم معلومات حول دور البنتاجون في حجب المعونة العسكرية الأمريكية إلى أوكرانيا في وقت سابق من العام الجاري.

وتشير الكاتبة إلى أن “ترامب والمدافعين عنه يقولون إنهم أوقفوا المساعدات فقط بسبب قلقهم من وجود فساد في أوكرانيا، وانزعاجهم من أن الحلفاء الأوروبيين لا يقدمون المزيد، لكن الديمقراطيين وبعض الجمهوريين يردون بالقول إن تحقيقهم يظهر إن الرئيس حاول استخدام المساعدات لتحقيق مكاسب خاصة”.

وتستدرك بيرجر بأن “أوكرانيا ليست هي الدولة الوحيدة التي تتسبب بإثارة الأسئلة حول كيف تستخدم أمريكا المساعدات، وتعد المساعدات المالية مثل تمويل الجيش أو التسهيلات التجارية وغيرها من الأشكال طريقة فاعلة لواشنطن لتكوين حلفاء لها وتشكيل مصالحها الخارجية”.

ويأتي إقصاء أوكرانيا من المعونة الأمريكية، ليفتح خزانة أسرار المعونة الأمريكية للجيش المصري منذ توقيع كامب ديفيد في 1979، وأولها أن تضطلع أمريكا بالموافقة المسبقة على تعيين قادة الجيش المصري، عديمي الكفاءة والمؤهلات العسكرية والأهلية السياسية، ويجب أن يمر هؤلاء القادة بدورات تأهيل عسكري في واشنطن، بعدها يتم تصفيتهم إما بعزل المشكوك مثقال ذرة في ولائهم لأمريكا وإسرائيل، أو بقتلهم في حوادث غامضة مثل طائرة البطوطي.

ولذلك من غير المستغرب صعود جنرال إسرائيل السفيه عبد الفتاح السيسي إلى قمة هرم الجيش، بقدراته المحدودة وعقليته التي تستوجب العلاج الذهني والتأهيل النفسي، بل وقفزه بالانقلاب على منصب رئيس الجمهورية، بعد مروره بوزارة الدفاع، وقبلها كان ضمن تشكيل المجلس العسكري، وسبق ذلك في عام 2011 أنه كان رئيسًا للمخابرات الحربية، والجميع يعلم مدى خطورة هذا الجهاز الحساس داخل مؤسسة الجيش.

يا أعدل الناس!

وكانت إدارة ترامب قد أصدرت تقريرًا يدين جرائم حقوق الإنسان التي ترتكبها أذرع عصابة السيسي الأمنية، بداية من قمع المرشحين لرئاسة الجمهورية، مرورا بالقتل والتعذيب المنهجي والإخفاء القسري والمحاكمات غير العادلة وقمع الحريات الأكاديمية والرأي والتعبير والتجمع والتنظيم، والسؤال: هل ينعكس هذا التقرير على المعونة العسكرية الأمريكية لمصر؟.

ويرد الكاتب الأمريكي ستيفن كوك بالقول: “إذا كان السيسي قد دمّر الآليات التي تمكّن شعبه من أن يخضعه للمحاسبة، وإذا كان الأمريكيون فشلوا في إلزامه باحترام حقوق الإنسان، فإنهم يجب أن يخضعوه على الأقل للمحاسبة عما فعله بحق مواطنين أمريكيين مستخدما أسلحة أمريكية مدفوعة بأموال المعونة الأمريكية لجيشه”.

أما صحيفة الواشنطن بوست فقد مسحت بكرامة السفيه السيسي الأرض حرفيًّا، وذلك ليس جديدًا على الصحافة الأمريكية المختلفة مع ترامب، ولكن الجديد أن الصحيفة لم تقل “يتلقّى” ولا “يحصل على” ولا “يتسلّم” ولا “يستفيد من المعونة الأمريكية لمصر”، لكن قالت إن السفيه السيسي “يضرب في جيبه أكثر من مليار دولار سنويًّا”.

وفي عام 2017، عندما اتخذ ترامب بضغط من الكونجرس قرارًا بتجميد 290 مليون دولار من المعونة الأمريكية للعسكر، جُنّ جنون السفيه السيسي بسبب ضغط جنرالات الجيش الفسدة عليه، وبدأ في مغازلة ترامب ولو استطاع أن ينشد له شعرا لقال: “يا أعدل الناس إلا في معــاملتي ** فيك الخصام وأنت الخصم والحكم”، وهو ما جعل الكاتب الصحفي الطبال مصطفى بكري يشرئب قائلا: “غيرة ترامب من لمعان حذاء السيسي هي سبب حجب جزء من المعونة الأمريكية”!.

جدير بالذكر أن المعونة الأمريكية لمصر نشأت في أعقاب توقيع السادات على اتفاقية كامب ديفيد مع الكيان الصهيوني عام 1979 برعاية أمريكية، وبعد التوقيع على الاتفاقية قدّم الرئيس الأمريكي آنذاك “جيمي كارتر” معونة اقتصادية وأخرى عسكرية سنوية لكل من مصر وإسرائيل، بواقع 3 مليارات دولار لإسرائيل، و2.1 مليار دولار لمصر، منها 815 مليون دولار معونة اقتصادية و1.3 مليار دولار معونة عسكرية.

بنود صرف المعونة

يجب العلم أن 10% فقط من المعونة الأمريكية تستلمه مصر في صورة نقدية، 28% لتمويل الواردات السلعية، 42% لتمويل مشاريع في قطاعات مختلفة، 20% لتمويل توريد سلع زراعية وفق قانون فائض الحاصلات الزراعية الأمريكي.

ورغم تحديد الجانب الأمريكي لبنود صرف المعونة، إلا أنه لم يكتف بذلك، بل وضع شروطًا لتقييد الصرف، من تلك البنود:

  1. برنامج الواردات السلعية يجبر الحكومة المصرية على شراء المنتجات الأمريكية حتى وإن كانت أسعارها مرتفعة عن الأسعار العالمية، وكذلك يشترط نقلها على سفن أمريكية.
  2. برنامج تمويل توريد السلع الزراعية يحظر استخدام المعونة في كل ما من شأنه جعل مصر قادرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح.
  3. برنامج تمويل المشاريع يشترط الاستعانة بالخبراء الأمريكيين في شتى مجالات العمل، وقد وصل عددهم إلى 26 ألف خبير يحصلون على 35% من القيمة السنوية للمعونة.
  4. برامج التدريب والابتعاث تشترط إرسال كبار المسئولين ورجال الدولة من المبتعثين المصريين لتلقي دورات تدريبية في الولايات المتحدة، ويتم خلال هذه البرامج ربط المتدربين بالولايات المتحدة، بحيث يتحوّل هؤلاء المتدربون عند عودتهم إلى منفذين للنموذج الأمريكي.

ولم يقتصر الأمر على تحديد بنود وشروط الصرف، وإنما تجاوز ذلك إلى الإشراف على التنفيذ من قبل هيئة المعونة الأمريكية، حتى لا تذهب المعونة إلى قطاعات لا ترغب الولايات المتحدة في دعمها، حتى وإن كانت استراتيجية بالنسبة للجانب المصري.

Facebook Comments